

الأخبار
نوقش في طشقند توجه جديد للعلم العالمي المعاصر
هل يمكن أن يتفوق الذكاء الاصطناعي على الإنسان؟ أم أن البشرية وجدت بالفعل إجابة هذا السؤال؟ لقد دارت حول هذه القضية تحديدا جلسات نقاش بين علماء ماليزيين ومحليين خلال المؤتمر العلمي العملي الدولي بعنوان «التقاليد العلمية في الحضارة الإسلامية: المصادر والإمكانات والقضايا الراهنة» الذي انعقد في طشقند. ولم يتحدث العلماء هنا عن التكنولوجيا فحسب، بل تناولوا أيضا الإنسان ذاته — عقله وروحه وحدود معرفته.
وفي ٥ مايو ٢٠٢٦ نُظم في مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان مؤتمر علمي عملي دولي في إطار المبادرات التي يطرحها رئيس جمهورية أوزبكستان شوكت ميرضيايف لتطوير الحوار بين الحضارات ودعم العلم باعتباره عاملا أساسيا للتقدم العالمي.
وشارك في المؤتمر أكثر من ٣٠٠ مشارك من ممثلي الهيئات الحكومية والعلماء البارزين والخبراء والباحثين والطلبة. كما عُقدت ضمن فعالياته جلسات متخصصة نوقشت خلالها قضايا إعادة تفسير التراث العلمي للحضارة الإسلامية في ظل الظروف المعاصرة.
وخلال هذه الجلسات تمت مناقشة التفسير المعاصر للتراث العلمي وقضاياه الراهنة وآفاقه المستقبلية. وخصصت الجلسة الأولى لعرض بحوث تناولت التكوين التاريخي لمفهوم العلم وتصنيفاته وأهميته في العصر الحديث.
وأشار نائب رئيس جامعة التكنولوجيا الماليزية محمد شفري محمد رحيم إلى أن مسألة الأخلاق والآداب في عصر الذكاء الاصطناعي أصبحت عاملا حاسما في تطور العلوم.
أما الأستاذ التركي بلال كوشبينار فأكد ضرورة التوفيق بين التراث العلمي الإسلامي والعالم المعاصر، موضحا أن أفكار علماء كبار مثل أبي نصر الفارابي وابن سينا وأحمد يسوي وأبي الريحان البيروني تكتسب أهمية كبيرة في فهم المشكلات العالمية الراهنة.
وقال بلال كوشبينار، أستاذ جامعة نجم الدين أربكان:
أود أولا أن أهنئ حكومة أوزبكستان وجميع من ساهم في إنشاء هذا المركز. ولا شك أن هذا الصرح سيكتسب مستقبلا أهمية عالمية.
وخلال جلسات الحوار التي عُقدت ضمن المؤتمر العلمي العملي الدولي في المركز، ناقشنا مسألتين مهمتين: الأولى تتعلق بماهية العلم وتعريفه ومكانة المسلمين أمام تحديات العالم المعاصر، والثانية تتعلق بسبل مواءمة التراث العلمي الغني مع واقع العالم الحديث.
واعتمدت النقاشات على تراث علماء كبار مثل أبي نصر الفارابي وابن سينا وأحمد يسوي وأبي الريحان البيروني، حيث جرى تحليل آرائهم التي تربط العلم بوجود الإنسان وإدراك الحقيقة.
كما تمت مناقشة قضية الذكاء الاصطناعي من منظور أخلاقي، مع التأكيد على ضرورة التوفيق بين التكنولوجيا الحديثة والقيم الروحية.
وبصورة عامة كانت اللقاءات مثمرة وغنية بالمضامين. ومثل هذه المؤتمرات تسهم في تحويل هذا المركز إلى منصة علمية وفلسفية مرموقة، – قال الأستاذ.
كما تركزت المناقشات على القضايا الراهنة المتعلقة بتقاطع الدراسات الإسلامية والفلسفة والتاريخ والعلوم الحديثة، ولا سيما إمكانيات التوافق بين المعارف الدينية التقليدية والرؤى العلمية المعاصرة.
وافتُتحت الجلسة بمحاضرة للأستاذ الأجنبي جورج سانيكيدزه حول تطور الدراسات الإسلامية في جورجيا، حيث قدم تحليلا مقارنا لكيفية تطور العلوم الدينية عبر المراحل التاريخية المختلفة.
بعد ذلك تحدث الأستاذ شووازيل زيادوف عن أهمية تراث الإمام البخاري، معتبرا إياه مصدرا علميا مهما ليس للإسلام فقط، بل للتطور الروحي للبشرية جمعاء.
ومن أكثر المداخلات إثارة للنقاش في المؤتمر كانت مداخلة الباحثة الماليزية دايانغ نورحازييكا حمزاني، التي أكدت ضرورة إعادة النظر في مفهوم «الروح» ضمن دراسات الوعي الحديثة.
وترى الباحثة أن مفاهيم «العقل» و«القلب» و«النفس» و«الروح» قد جرى تحليلها بعمق في الفكر الإسلامي، وأن هذا التراث يمنح البشرية فرصة لفهم الطبيعة الإنسانية بصورة أشمل في عصر الذكاء الاصطناعي.
وقالت:
إن التراث العلمي الإسلامي يمتلك إمكانات هائلة لم تُدرس بصورة كاملة حتى الآن. واليوم، ومع استمرار النقاشات حول الذكاء الاصطناعي، لا يزال سؤال «ما هو الذكاء؟» مفتوحا. بينما نجد في الفكر الإسلامي أن هذا المفهوم قد فُسر بالفعل من خلال التكامل بين العقل والنفس والقلب والروح.
ولذلك فإن هذا التراث يكتسب أهمية كبيرة في إثراء العلوم الحديثة وفهم الطبيعة الإنسانية بصورة أعمق والحفاظ على التوازن بين العلم والروحانية. كما تؤدي المراكز العلمية والثقافية، وعلى رأسها مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان، دورا مهما في نشر هذه المعارف، ويمكن أن تكون نموذجا للدول الأخرى. لكن مجرد العرض لا يكفي، بل يجب فهم تراث العلماء فهما عميقا، ودراسة لغات الماضي، وجذب الشباب إلى هذا الطريق، – قالت الباحثة.
وأكد المشاركون أن التكنولوجيا الحديثة تدعم هذه العملية، لكن العامل الأهم يبقى ترسيخ اهتمام الشباب بهذا التراث واحترامهم له.
كما قدم أستاذ الأكاديمية الدولية الإسلامية في أوزبكستان إلهامجان بكمرزاييف محاضرة بعنوان «أسرة آل موزة وإسهامها في تطوير الثقافة القانونية في بخارى خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر»، تناول فيها بالتحليل اعتمادا على المصادر التاريخية دور هذه الأسرة في تطوير المعرفة الفقهية وتشكيل التقاليد القانونية وتعزيز الثقافة القانونية في المجتمع.
ومن جانبه أكد الدكتور محمد إخوان أزلان، الباحث في مركز الدراسات المتقدمة للإسلام والعلوم والحضارة بجامعة التكنولوجيا الماليزية الذي يحمل اسم راجا زاريث صوفيا، أهمية إعادة دراسة التراث العلمي القديم وفهمه من جديد.
وقال:
تكمن أهمية مؤتمر اليوم في أنه يطرح موضوع التقاليد العلمية الإسلامية بصورة مفتوحة وعلى أسس علمية. فرغم أن العلوم الحديثة دخلت حياتنا بعمق، فإن فهم الأفكار الكامنة وراءها لا يزال مسألة ملحة. وفي الوقت نفسه نملك تراثا علميا غنيا، وتعد أوزبكستان إحدى أهم مراكزه.
وأصبح الواجب الأساسي اليوم لا يقتصر على حفظ هذا التراث، بل يشمل تفسيره بعمق وتطبيقه بما يتناسب مع العصر الحديث. ويمكن ملاحظة أن الأفكار العلمية الأساسية لم تتغير عبر القرون من خلال مؤلفات أرسطو وأبي الريحان البيروني ومحمد الخوارزمي وابن سينا. فآراؤهم حول المنطق والرياضيات والمعرفة لا تزال ذات صلة حتى في عصر الذكاء الاصطناعي. لذلك فإن إعادة دراسة التراث العلمي وفهمه أمر بالغ الأهمية، وتؤدي المراكز العلمية والثقافية دورا مهما في هذا المجال، – قال الباحث.
أما الجلسة المعنونة «العلوم والتعليم في العالم الإسلامي» فقد ناقشت بشكل موسع مكانة العلم والتعليم في الحضارة الإسلامية، والتفسير المعاصر للتراث العلمي، والأسس النظرية لمنظومة المعرفة.
وأشار الدكتور محمد حلمي رملي، مدير مركز الدراسات المتقدمة للإسلام والعلوم والحضارة بجامعة التكنولوجيا الماليزية الذي يحمل اسم راجا زاريث صوفيا، إلى ما يلي:
– إن المعرفة في الإسلام تستند إلى مصادر محددة. فالإنسان يتلقى المعرفة أولا عبر الحواس، ثم يدركها بالعقل ويثبتها من خلال المصادر الموثوقة. وقد تجسد هذا المنهج في التراث العلمي لعلماء كبار مثل الإمام الماتريدي والإمام التفتازاني.
كما أن مثل هذه المؤتمرات تكتسب أهمية كبيرة في تعزيز التعاون العلمي بين ماليزيا وأوزبكستان، وتبادل الخبرات، وتحديد مسارات جديدة للبحث العلمي. وخاصة أن التعاون في دراسة المصادر التاريخية وتطبيقها في العمليات الفكرية الحديثة يفتح آفاقا واسعة.
وشارك في الجلسة أيضا علماء بارزون مثل تاتيانا دينيسوفا وغولجهرة ريخسييفا وحامدجان إشمتبيكوف، حيث تناولوا في مداخلاتهم موقف الحضارة الإسلامية من العلوم، وتاريخ الاستشراق وآفاقه المستقبلية، وإسهامات علماء آسيا الوسطى في الحضارة الإنسانية العالمية.
وفي ختام الجلسة جرت مناقشات وحوارات وأسئلة وأجوبة بين المشاركين، وتم تبادل الآراء العلمية. وأكد الحاضرون أن هذه المناقشات العلمية العملية شكلت منصة مهمة لدراسة قضايا العلوم والتعليم في الحضارة الإسلامية بعمق، فضلا عن تطوير التعاون العلمي الدولي.
ويرى المختصون أن مثل هذه المؤتمرات تمثل مرحلة مهمة في إعادة اكتشاف التراث العلمي لآسيا الوسطى ودمجه في الفضاء الفكري العالمي.
ويُذكر أنه في ٥ مايو من العام الجاري أُقيم في مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان مؤتمر علمي عملي دولي بعنوان «التقاليد العلمية في الحضارة الإسلامية: المصادر والقضايا الراهنة والإمكانات» بمشاركة ملكة ماليزيا.
الأكثر قراءة


قام رئيس جمهورية صربيا ألكسندر فوتشيتش بزيارة مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان

مركز الحضارة الإسلامية – منصة عالمية تقود إلى المعرفة
زيارة إلى المركز
خطط لزيارتك إلى المركز وسجّل.