نسخة التجربة من الموقع

مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان
banner

الأخبار

دعوة أوزبكستان الجديدة: لم يُشيد مبنى، بل شُيدت فكرة

كل شعب يسعى إلى فهم ماضيه قبل أن يبني حاضره ومستقبله. غير أن معرفة التاريخ وحدها لا تكفي، بل إن تفسيره تفسيرا صحيحا وإيصال معانيه إلى أبناء العصر والأجيال القادمة على الوجه اللائق لا يقل أهمية.

فالتاريخ ليس مجرد رواية عن الأمس، بل هو قصة الكيفية التي ترى بها الأمة نفسها، وكيف تقدم نفسها إلى العالم، وكيف تتصور مستقبلها.

وخلال السنوات الأخيرة وضعت أوزبكستان أمامها هذه المهمة الجوهرية. فهي لا تمضي في طريق الإصلاحات الاقتصادية والسياسية فحسب، بل تعيد أيضا اكتشاف هويتها الحضارية. ويتصدر هذا المسار مركز الحضارة الإسلامية الذي شيد في طشقند.

وللوهلة الأولى قد يبدو مجرد متحف كبير أو مجمع ثقافي، لكنه في الحقيقة يحمل معنى أعمق بكثير. فهو الرواية الجديدة التي تقدمها أوزبكستان للعالم عن تاريخها.

فكرة طُرحت في نيويورك وتحققت في طشقند

في عام ٢٠١٧، وأثناء إلقائه كلمة من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، طرح رئيس جمهورية أوزبكستان شوكت ميرضيائيف فكرة مهمة، أكد فيها أن الجوهر الحقيقي للإسلام يتمثل في العلم والمعرفة والتسامح والإنسانية. ولم يكن ذلك مجرد تصريح دبلوماسي عابر.

ففي وقت كانت فيه النقاشات العالمية حول الإسلام تدور في الغالب حول الإرهاب والتطرف وقضايا الأمن، قدمت أوزبكستان رؤية مختلفة تماما.

وكانت الفكرة الأساسية التي طرحها رئيس أوزبكستان أن العالم ينبغي أن يتعرف إلى الإسلام لا من خلال صورة المتطرفين، بل من خلال علماء كبار مثل الإمام البخاري، والإمام الماتريدي، وأبو الريحان البيروني، وابن سينا، وميرزا أولوغ بيك. فهؤلاء الأعلام قدموا إسهامات عظيمة في تقدم البشرية، وجعلوا العلم والمعرفة جوهر حياتهم.

ومع مرور الوقت تحولت هذه الدعوة إلى مشروع واقعي. وأصبح مركز الحضارة الإسلامية الذي شيد في مدينة طشقند بمبادرة من رئيس أوزبكستان تجسيدا لهذه الفكرة، ووفاء بذلك الوعد الذي قُدم إلى العالم.

لم يُشيد مبنى، بل شُيدت فكرة

شهد التاريخ قيام دول كثيرة ببناء منشآت ضخمة، من قصور وحصون وتماثيل. وكما قال الأمير تيمور: «إذا شككتم في عظمتنا فانظروا إلى ما شيدناه من عمائر». غير أن القيمة الحقيقية لأي بناء لا تكمن في حجمه، بل في معناه.

وهذه هي الخصوصية التي يتميز بها مركز الحضارة الإسلامية. فالتركيز فيه لا ينصب على الحلول المعمارية التي نجحت في الجمع بين التراث والتقنيات الحديثة فحسب، بل يمتد أيضا إلى المضمون الغني الذي يحمله.

وتضم معارض المركز مئات المخطوطات النادرة والوثائق التاريخية والقطع الأثرية، ومن بينها نماذج فريدة من التراث أُعيدت من بلدان مختلفة.

وخلال السنوات الأخيرة جُمعت عدة آلاف من المعروضات التاريخية نتيجة للأبحاث التي أجريت في مختلف أنحاء العالم. فقد اقتني بعضها في المزادات، وأعيد بعضها الآخر عبر التعاون الدولي، وخضع عدد منها لأعمال الترميم. ولا يمكن اعتبار هذه العملية مجرد جمع للمقتنيات، بل هي إعادة تجميع لذاكرة أمة تفرقت عبر الزمن.

الجسر المنسي بين الإسلام والعلم

خلال القرون الأخيرة ترسخت في العالم فكرة مفادها أن التقدم العلمي هو ثمرة خالصة للحضارة الغربية. غير أن جذور النهضة العلمية الأوروبية تمتد إلى مدن مثل سمرقند وبخارى وخوارزم ومرو. فقد تطورت إنجازات عديدة في الجبر وعلم المثلثات والفلك والطب والجغرافيا والفلسفة بفضل جهود العلماء المسلمين. وهؤلاء العلماء هم الذين وضعوا الأسس التي قامت عليها الإنجازات العلمية والتكنولوجية الكبرى في عصرنا. ولم يكن العلم والدين بالنسبة إليهم مفهومين متعارضين، بل كان العلم أحد السبل إلى معرفة الخالق.

ومن هذا المنطلق، فإن مركز الحضارة الإسلامية لا يعرض تاريخ أوزبكستان فحسب، بل يقدم أيضا التراث الفكري المشترك للبشرية. فالزائر لا يشاهد المعروضات وحدها، وإنما يكتشف حقيقة تاريخية مفادها أن الحضارات مترابطة في تطورها، ولا يمكن تصور إحداها بمعزل عن الأخرى أو وضعها في مواجهة غيرها.

الدبلوماسية العلمية

في عالم اليوم، لم تعد القوة الاقتصادية أو العسكرية وحدها هي التي تحدد مكانة الدول وتأثيرها، بل أصبحت الثقافة والعلم والأفكار أيضا مصادر مهمة للقوة. ومن هذا المنظور، يمثل مركز الحضارة الإسلامية نموذجا جديدا للدبلوماسية الثقافية التي تنتهجها أوزبكستان.

في الأيام القريبة المقبلة سيعقد المنتدى الإسلامي الدولي الأول تحت عنوان «الحضارة الإسلامية: مسار السلام والتسامح والمعرفة»، وهو امتداد منطقي لهذا المسار. وليس من السهل جمع ما يقارب ٣٠٠ عالم من أكثر من ٤٠ دولة حول هدف واحد. فهذا لا يمثل تعاونا علميا فحسب، بل يعني أيضا بناء بيئة قائمة على الثقة.

وفي ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في العالم اليوم، أصبح التاريخ والعلم لغة للحوار بين الدول. وأوزبكستان تعزز مكانتها الدولية من خلال هذه «اللغة» تحديدا.

مشروع يحظى باعتراف العالم

لا يمكن قياس أهمية المركز من خلال مكانته داخل البلاد فقط، فأنشطته تحظى بتقدير كبير من الأوساط الأكاديمية الدولية والمنظمات العلمية والمؤسسات الثقافية.

واليوم تتعاون مع مركز الحضارة الإسلامية أرشيفات ومتاحف وجامعات ومراكز بحثية من مختلف دول العالم، وهو ما يعكس الصورة الجديدة لأوزبكستان على الساحة الدولية.

فلم تعد البلاد تُعرف بوصفها مجرد وارثة لتراث تاريخي عريق، بل أصبحت أيضا مركزا لدراسة هذا التراث وصونه وتقديمه إلى العالم.

السؤال الأهم

لماذا يعد هذا المشروع مهما؟

الإجابة بسيطة.

فكل أمة تُقاس بالمكانة التي تستطيع أن تقدم بها نفسها إلى العالم.

وتقول أوزبكستان اليوم للعالم: لسنا مجرد بلد يضم آثارا تاريخية عريقة، بل نحن أرض أنجبت علماء كبارا، ومهد تشكلت فيه تقاليد العلم والمعرفة. لقد كنا مركزا للحوار بين الحضارات، وها نحن نعود لنكون كذلك من جديد. لقد نشأ مركز الحضارة الإسلامية على أرضنا، ونحن مركز هذه الحضارة.

وهذه هي القصة التي يرويها مركز الحضارة الإسلامية. إنها القصة الجديدة لأوزبكستان. فهي ليست إعادة كتابة للماضي، بل إعادة اكتشاف لمعناه الحقيقي. ولعل هذا هو أعظم إنجاز حققه مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان.

ومن هذا المنطلق يمكن القول بكل ثقة إن رئيس أوزبكستان لم يشيد مجرد مبنى، بل شيد ذاكرة ماضينا العظيم. ولم ينشئ متحفا فحسب، بل أسهم في ترسيخ صورة الأمة وإثرائها.

والأهم من ذلك أنه أثبت عمليا الفكرة التي طرحها شوكت ميرضيائيف من على منبر الأمم المتحدة، وهي أن الإسلام حضارة تقوم على العلم والمعرفة والتقدم. وأوزبكستان، بوصفها الوريثة الجديرة بهذا التراث العظيم، تعمل اليوم على إعادته ليكون في خدمة الإنسانية من جديد.

أبوالفيض سعيد عسكروف

ملاحظة: يمكن إعادة نشر المقال مع الإشارة إلى الموقع الرسمي للمركز كمصدر

الأكثر قراءة

عرض جميع الأخبار

زيارة إلى المركز

خطط لزيارتك إلى المركز وسجّل.