نسخة التجربة من الموقع

مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان
banner

الأخبار

من سمرقند إلى سانت بطرسبرغ: إعادة قراءة الروابط التاريخية التي وحدت العالم الإسلامي في القرن التاسع عشر

يصنع التاريخ أحيانا فضاء روحيا وثقافيا مشتركا يجمع بين مدن تفصل بينها آلاف الكيلومترات. ومن أبرز هذه المدن بخارى وسمرقند وباكو وسانت بطرسبرغ. وفي أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين تشكلت بين هذه المدن روابط علمية وثقافية وخيرية ودبلوماسية، ويعاد اليوم تقديمها برؤية جديدة من خلال معرض عصر الخانات في مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان.

وتعرض القاعة ثلاثة معروضات رئيسية هي: تاريخ الجامع الكبير في سانت بطرسبرغ، ووسام دولة إمارة بخارى، ومواد توثق سيرة الصناعي والمحسن الأذربيجاني الشهير الحاج زين العابدين تاغييف. ولا تقدم هذه المعروضات بوصفها أحداثا تاريخية منفصلة، بل باعتبارها حلقات مترابطة من التعاون متعدد الأبعاد بين آسيا الوسطى والقوقاز وروسيا.

ويهدف هذا النهج إلى فهم التاريخ بوصفه مسارا حضاريا مشتركا، لا باعتباره محصورا داخل الحدود الوطنية.

كيف انعكست عمارة سمرقند في الشمال؟

يعد الجامع الكبير ذو القبة الزرقاء في وسط سانت بطرسبرغ من أشهر المعالم المعمارية الإسلامية في روسيا. وقد استلهم تصميمه الخارجي من عمارة العصر التيموري في سمرقند، ولا سيما قبته الرئيسية التي استوحيت من عمارة ضريح الأمير تيمور.

وحتى مطلع القرن العشرين لم يكن لدى المسلمين المقيمين في عاصمة الإمبراطورية الروسية جامع كبير يليق بهم. ورغم بدء حملة لجمع التبرعات لبناء المسجد، فإن الأموال التي جمعت لم تكن كافية حتى لشراء الأرض.

وفي تلك المرحلة دعم أمير بخارى السيد عبد الأحد خان المبادرة، وتكفل من ماله الخاص بتمويل شراء قطعة الأرض المخصصة لبناء المسجد.

وفي ٣ فبراير ١٩١٠ وضع الأمير بنفسه حجر الأساس للمسجد. ورغم أنه لم يعش حتى يرى اكتمال البناء، فإن المبادرة التي أطلقها تحققت على أرض الواقع.

وفي عام ١٩١٣ حضر مراسم افتتاح المسجد آخر أمراء بخارى السيد عالم خان، إلى جانب خان خيوة أصفنديار خان. ودخل هذا الحدث التاريخ بوصفه أحد أبرز اللقاءات الدبلوماسية التي جمعت حكام آسيا الوسطى داخل أراضي الإمبراطورية الروسية.

وخلال الحقبة السوفيتية السابقة أُغلق المسجد، ولم يستخدم لأغراض دينية طوال عقود. ولم يعد إلى أيدي المسلمين إلا عام ١٩٧٤، وهو اليوم يعد أحد الرموز التاريخية لمدينة سانت بطرسبرغ.

كيف امتدت أعمال البر في باكو إلى آسيا الوسطى؟

ويخصص جزء آخر من المعرض لأنشطة رجل الأعمال والمحسن الأذربيجاني الحاج زين العابدين تاغييف.

فقد حقق تاغييف ثروة كبيرة من صناعة النفط، ثم وجه استثماراته إلى التعليم والصحافة والعلوم والمشروعات الاجتماعية. وقد أنشئت بتمويله أول مدرسة ثانوية للبنات المسلمات في القوقاز، إضافة إلى العديد من المدارس ودور النشر والمؤسسات الاجتماعية.

غير أن نشاطه لم يقتصر على منطقة القوقاز.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن تاغييف أقام علاقات وثيقة مع إمارة بخارى، حيث كانت تعقد لقاءات منتظمة مع الأمير السيد عبد الأحد خان، ولاحقا مع السيد عالم خان، وجرى خلالها بحث التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري والثقافي والأعمال الخيرية.

وكان أمراء بخارى ينزلون ضيوفا في مقر إقامة تاغييف أثناء زياراتهم إلى باكو. ولا تزال مجموعة من الهدايا التي قدمها حكام بخارى محفوظة حتى اليوم في متحف تاريخ الدولة في أذربيجان.

كما أن تواصل رواد الحركة الإصلاحية الأوزبكية، مثل محمود خواجه بهبودي، وتشولبان، والحاج عبد العزيز عبد الرسولوف، مع تاغييف، يعكس أن العلاقات بين آسيا الوسطى والقوقاز لم تقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب، بل أسهمت أيضا في تكوين فضاء فكري وتنويري مشترك.

التعاون الدولي وراء بناء مسجد

إن تاريخ الجامع الكبير في سانت بطرسبرغ ليس مجرد تاريخ لمعْلم معماري.

بل يجسد التعاون بين شخصيتين بارزتين هما أمير بخارى السيد عبد الأحد خان، والمحسن الأذربيجاني الشهير الحاج زين العابدين تاغييف، اللذين جمعتهما غاية نبيلة واحدة.

ويعكس هذا التعاون كيف توحدت المجتمعات الإسلامية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين حول القيم الروحية المشتركة، متجاوزة الحدود الوطنية.

وسام الدولة رمز للثقة التاريخية

ويعد وسام دولة إمارة بخارى المعروض في القاعة دليلا تاريخيا مهما آخر على هذه العلاقات.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن الأمير السيد عبد الأحد خان منح الحاج زين العابدين تاغييف أحد أرفع أوسمة الدولة في الإمارة، تقديرا لإسهاماته في نهضة المجتمع الإسلامي، وأعماله الخيرية، ودوره في تعزيز علاقات الصداقة مع بخارى.

ويكتسب هذا الوسام، الذي جاء على هيئة نجمة مشعة، أهمية خاصة بوصفه رمزا للدولة والثقة والاحترام المتبادل، ولذلك يعرض إلى جانب المواد الخاصة بتاغييف في القاعة.

التاريخ برؤية معاصرة

وحيد خان محيي الدينوف، الباحث العلمي المساعد في قسم سياحة الزيارة بالمركز:

 إن معرض «عصر الخانات» في متحف مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان ليس مجرد عرض متحفي، بل هو رؤية علمية تهدف إلى إبراز مكانة آسيا الوسطى في تاريخ أوراسيا من منظور جديد.

وفي الوقت الذي تزداد فيه أهمية قضايا التراث الثقافي المشترك، وحوار الحضارات، والذاكرة التاريخية على المستوى العالمي، يعيد هذا المعرض إحياء الروابط التاريخية بين بخارى وسمرقند وباكو وسانت بطرسبرغ، ليؤكد أن الحضارة الإسلامية كانت فضاء فكريا وثقافيا لا تحده الحدود.

ولا يروي كل معروض في هذا المعرض قصة من الماضي فحسب، بل يذكر أيضا بكيفية إسهام القيم الإنسانية المشتركة، مثل العلم، والعمل الخيري، والدبلوماسية، والإنسانية، في توحيد الشعوب عبر القرون.

ومن هذا المنطلق، لا يقتصر هذا المعرض في مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان على حفظ التاريخ، بل يسهم أيضا في تحويله إلى جزء فاعل من الحوار العالمي المعاصر.

وخلال الفترة من ٧ إلى ١١ يوليو من هذا العام، سيجمع المنتدى الإسلامي الدولي الأول للحضارة الإسلامية، الذي سيقام في مدن طشقند وسمرقند وترمذ، نحو ٣٠٠ ضيف أجنبي من علماء وعلماء دين وممثلي منظمات دولية من أكثر من ٤٠ دولة، وسيتضمن تقديم مثل هذه المشاريع الجديدة.

ويتمثل الهدف الرئيس للمنتدى في التعريف أمام المجتمع الدولي بالجوهر الحقيقي للإسلام القائم على السلام والتسامح والعلم والمعرفة والإنسانية، حيث سيجري إبراز التراث الغني للحضارة الإسلامية من خلال الحوارات العلمية، والمعارض الدولية، وعرض المخطوطات النادرة، والفعاليات الثقافية والمعرفية.

الأكثر قراءة

عرض جميع الأخبار

زيارة إلى المركز

خطط لزيارتك إلى المركز وسجّل.