

الأخبار
ريبورتاج من القرن العاشر: نشر أوثق مخطوطة عن ما وراء النهر باللغة الأوزبكية
تعد سمرقند وبخارى اليوم من أشهر الوجهات السياحية في العالم. ولكن كيف كانت هاتان المدينتان قبل ألف عام؟ وما حجم قوتهما الاقتصادية؟ وما هي طرق التجارة الدولية التي كانتا تربطانها؟ وما مكانتهما في تطور الحضارة الإسلامية؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تقدمها الاكتشافات الأثرية، بل يجسدها مؤلف قائم على مشاهدات مباشرة لجغرافي ورحالة عربي عاش في القرن العاشر. واليوم يقدم هذا المصدر النادر لأول مرة إلى القارئ الأوزبكي في طبعة علمية تضم النص المحقق، والمقارنة بين المخطوطات، والشروح العلمية.
وفي وقت يتزايد فيه الاهتمام عالميا بالحفاظ على التراث الثقافي، ورقمنة المخطوطات، وإعادة دراسة المصادر الأولية المتعلقة بتاريخ الحضارات، يجري في أوزبكستان إعداد إصدار أكاديمي جديد. فقد شرع مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان في نشر كتاب الجغرافي والرحالة العربي الشهير أبو إسحاق إبراهيم الاصطخري، المؤلف في القرن العاشر، «كتاب المسالك والممالك»، باللغة الأوزبكية، مع النص المحقق والتعليقات العلمية.
ويأتي هذا الإصدار ثمرة لعمل ترجمي ودراسة موسعة في علم المصادر أنجزها قسم إدارة السجل الحكومي للمصادر الخطية القديمة التابع لمركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان.
وأوضح الباحث العلمي في المركز، روشن خدايبيرغانوف، أن هذا الكتاب ليس مجرد رسالة في الجغرافيا التاريخية، بل يعد أحد أهم المصادر الأولية التي تصور المشهد السياسي والاقتصادي والثقافي للعالم الإسلامي في القرن العاشر. فقد جاب الاصطخري مختلف البلدان، وسجل بناء على مشاهداته الشخصية معلومات عن المدن، وطرق التجارة، وأنماط حياة السكان، والعلاقات الاقتصادية، وإدارة الدول.
وتكتسب المعلومات التي يوردها الكتاب عن ما وراء النهر أهمية خاصة بالنسبة للدراسات التاريخية المعاصرة. فقد صور سمرقند وبخارى وغيرهما من مدن المنطقة ليس فقط باعتبارها مراكز ثقافية بارزة في المشرق الإسلامي، بل أيضا بوصفها نقاطا استراتيجية في شبكة التجارة الدولية التي ربطت أوروبا والشرق الأدنى وآسيا عبر طريق الحرير.
ويعتمد المؤرخون اليوم في إعادة بناء تاريخ المدن القديمة على المقارنة بين المعطيات الأثرية، والنقوش، والمصادر المخطوطة. ومن هذا المنطلق، يمثل كتاب الاصطخري مصدرا علميا بالغ الأهمية يكمل الأدلة الأثرية ويوضحها.
كما يؤدي الكتاب دورا مهما في فهم مرحلة الازدهار الحضاري التي شهدتها آسيا الوسطى بين القرنين التاسع والثاني عشر، والتي يصنفها كثير من الباحثين على أنها عصر النهضة الأول. ففي تلك الفترة بلغت العلوم، والعمران، والتجارة، والثقافة، والمعرفة مستويات متقدمة، وكان لذلك أثر كبير في تطور الحضارة الإسلامية والعلوم العالمية لاحقا.
وتتجلى القيمة العلمية الأساسية لهذا الإصدار في اعتماده على نص محقق.
روشن خدايبيرغانوف، الباحث العلمي في قسم إدارة السجل الحكومي للمصادر الخطية القديمة بالمركز:
يعد هذا الكتاب من أهم المصادر المتعلقة بالجغرافيا التاريخية للعالم الإسلامي في القرن العاشر، لأنه لا يقتصر على ما وراء النهر، بل يضم أيضا معلومات عن خراسان، وإيران، والعراق، والجزيرة العربية، والقوقاز، والعديد من المناطق الأخرى. ولذلك فإنه يتيح دراسة أوضاع الحضارة الإسلامية بأسرها في تلك الحقبة. ومن أبرز ما يعزز القيمة العلمية لهذا الإصدار أنه أعد اعتمادا على نص محقق. فعادة ما تترجم المصادر القديمة بالاعتماد على مخطوطة واحدة أو مخطوطتين، مما قد يؤدي إلى إغفال بعض الفروق النصية. أما في هذا الإصدار فقد استُخدم منهج التحليل المقارن، وهو أحد أهم المتطلبات الأساسية في علم تحقيق المصادر.
وأفاد القائمون على المشروع بأنه جرى خلال الدراسة إجراء مقارنة بين ثماني نسخ مخطوطة للكتاب محفوظة باللغة العربية، وعشر نسخ مخطوطة للترجمة الفارسية التي أنجزت في فترة لاحقة. وقد خضعت ثماني عشرة مخطوطة للتحليل، وأعيد بناء النص المحقق الأقرب إلى الأصل الذي وضعه المؤلف بالاعتماد عليها.
ومن منظور علم تحقيق المخطوطات، يعد هذا المنهج من أكثر الأساليب موثوقية في الممارسة الأكاديمية الدولية. إذ تتيح مقارنة الفروق النصية بين المخطوطات المختلفة تحديد الكيفية التي خضع بها الكتاب للتحرير في القرون اللاحقة، والكشف عن المعلومات التي أضيفت أو عُدلت.
ومن الجوانب المهمة الأخرى في هذا الإصدار أن جميع الفروق النصية أوردت في الحواشي السفلية، بينما جُمعت الشروح الموسعة المتعلقة بالشخصيات التاريخية، والأسماء العرقية، وأسماء الأماكن، والمصطلحات الجغرافية في قسم خاص بالتعليقات. وهذا ما يجعل الكتاب مرجعا علميا مهما ليس فقط لعامة القراء، بل أيضا للمؤرخين، والمستشرقين، وعلماء الإثنولوجيا، والجغرافيين، والباحثين في التاريخ الاقتصادي.
ويرى المختصون أن الدراسات المصدرية الشاملة التي تجمع في وقت واحد بين المخطوطات العربية والفارسية تعد نادرة نسبيا في الوسط الأكاديمي الوطني. ومن هذا المنطلق، ينظر إلى هذا الإصدار ليس بوصفه مجرد ترجمة لكتاب قديم، بل باعتباره أحد المشاريع العلمية المهمة التي تسهم في الارتقاء بمدرسة تحقيق المصادر في أوزبكستان إلى مرحلة جديدة.
وأصبح حفظ التراث الثقافي، ورقمنة المخطوطات، وإدخالها في التداول العلمي الدولي اليوم من القضايا الملحة على مستوى العالم. وفي هذا السياق، يحظى كتاب «المسالك والممالك» للاصطخري باعتراف واسع بوصفه مصدرا علميا مهما يسهم في تعميق فهم مكانة آسيا الوسطى في تاريخ الحضارات، باعتباره جزءا من هذا المسار العالمي.
وتظهر نتائج الدراسة أن ملاحظات المؤلف، الذي جاب بلاد ما وراء النهر قبل ألف عام، ما زالت تحتفظ بقيمتها العلمية حتى اليوم. بل إنها أصبحت تمثل أساسا موثوقا للمؤرخين في إعادة بناء الماضي، وللجغرافيين في تحديد المواقع القديمة، وللباحثين في الدراسات الثقافية في دراسة العلاقات المتبادلة بين الشعوب. ومن هذا المنطلق، لا يمثل كتاب «المسالك والممالك» أثرا تاريخيا فحسب، بل يعد أيضا مصدرا أكاديميا معاصرا يسهم في الفهم العلمي لعصر النهضة الأول في آسيا الوسطى.
دردانة رسولوفا
ملاحظة: يمكن إعادة نشر المقال مع الإشارة إلى المصدر وإرفاق رابط الموقع الرسمي للمركز
الأكثر قراءة


قام رئيس جمهورية صربيا ألكسندر فوتشيتش بزيارة مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان

مركز الحضارة الإسلامية – منصة عالمية تقود إلى المعرفة
زيارة إلى المركز
خطط لزيارتك إلى المركز وسجّل.