نسخة التجربة من الموقع

مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان
banner

الأخبار

زيارة حضرة نوائي إلى جورجيا

أحيانا تشهد الحياة أحداثا رمزية تعكس مدى متانة واستمرار الروابط الروحية التي لم تنقطع عبر القرون.

وفي ٣ يوليو، وفي إطار الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس جمهورية أوزبكستان شوكت ميرضيائيف إلى جورجيا، جرى في مدينة تبليسي الافتتاح الرسمي لتمثال المفكر العظيم وعبقري الأدب التركي الفريد حضرة علي شير نوائي. وكان هذا الحدث من أبرز الوقائع التاريخية ذات الدلالة العميقة. وشارك في مراسم الافتتاح رئيس أوزبكستان شوكت ميرضيائيف ورئيس وزراء جورجيا إيراكلي كوباخيدزه.

ولا يمثل هذا التمثال مجرد تكريم لذكرى الشاعر العظيم، بل هو جسر روحي يصل بين الماضي والحاضر. فقد ذكر علي شير نوائي قبل خمسة قرون ونصف في ملحمته الخالدة "سدي إسكندري" بلاد جورجيا بصورة خاصة، فقال:

سلك طريقه نحو الشركس وبلاد جورجيا،

فأصبح جميع الجورجيين والشركس في طاعته.

وأغدق إحسانه على أهل الشمال،

ثم توجه بعزمه نحو الشرق.

ورغم أن هذه الأبيات تصف ظاهريا حملات الإسكندر، فإنها تعكس أيضا تصورات عن بلاد القوقاز، ومنها جورجيا. والأهم من ذلك أن نوائي يذكر بلاد جورجيا باعتبارها جزءا من فضاء تاريخي وروحي واسع. وهذا يدل على أن ورود اسم جورجيا في شعره لم يكن أمرا عارضا، بل جاء تعبيرا عن اتساع أفقه الجغرافي والثقافي.

واليوم يبدو التاريخ وكأنه وجد امتداده الجميل. ففي الأرض الجورجية التي ورد ذكرها في شعر نوائي قبل قرون، ارتفع اليوم تمثال شامخ لذلك المفكر العظيم. ويعد هذا الحدث محطة مهمة في تاريخ العلاقات الثقافية بين الشعبين الأوزبكي والجورجي. وقد تم التأكيد على أن طريق الحرير القديم، وروابط التجارة، والاحترام المتبادل، والاهتمام بالميراث الثقافي الغني، كانت على مر العصور عوامل جمعت بين الشعبين.

لقد ربطت طريق الحرير الكبرى، والتجارة، والعلم، والثقافة بين شعبي أوزبكستان وجورجيا منذ القدم. واليوم، وبفضل مبادرات قادة البلدين، ترتقي هذه العلاقات إلى مستوى جديد تماما. ولم تقتصر أهمية زيارة الرئيس شوكت ميرضيائيف إلى جورجيا على تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي، بل اكتسبت أيضا أهمية كبيرة في توطيد العلاقات الثقافية والإنسانية.

ولطالما قدر الشعب الأوزبكي التراث الأدبي للشاعر الجورجي الكبير شوتا روستافيلي تقديرا عاليا. فقد سميت إحدى الشوارع الرئيسية في مدينة طشقند باسمه، كما أقيم له تمثال في العاصمة. ومن جانب آخر، فإن إطلاق اسم علي شير نوائي هذا العام على إحدى الحدائق المركزية في تبليسي يعد تجسيدا واضحا للاحترام المتبادل الذي يكنه الشعبان لأعلامهما الكبار.

وكان الوسط الأدبي الذي عاش فيه شوتا روستافيلي مرتبطا ارتباطا وثيقا بالثقافة الكلاسيكية الشرقية. ففي ملحمته الشهيرة "الفارس ذو جلد النمر" تحتل قيم الإنسانية، والعدل، والوفاء، والشجاعة، والمعرفة مكانة محورية. وقد تجلت هذه القيم لاحقا في إبداع علي شير نوائي بأعلى درجات النضج الفني. ومن هذا المنطلق، يمثل إبداع روستافيلي ونوائي التعبير الأدبي عن القيم الإنسانية المشتركة التي تجمع بين الشعبين.

ومن العوامل الأخرى التي قربت بين الشعبين الأوزبكي والجورجي استفادتهما من المصادر الأدبية المشتركة. ويتجلى ذلك بوضوح في مؤلف "بارامغورياني" للأديب الجورجي الكلاسيكي في القرن السابع عشر نودار سيتسيشفيلي. ويرتبط هذا العمل بالتقاليد الأدبية الشرقية المتعلقة بشخصية بهرام غور، وتمتد جذوره إلى ملحمة "هفت بيكر" لنظامي الكنجوي، وكذلك إلى ملحمة "سبعة السيارة" لعلي شير نوائي، حيث تتقاطع صورة بهرام غور مع روايات الأميرات السبع.

تعد ملحمة "هفت بيكر" واحدة من أشهر قصائد "خمسة" لنظامي، وهي تتناول حياة بهرام غور وحكايات الأميرات السبع. وقد كان علي شير نوائي هو العبقري الذي أوصل تقليد "الخمسة" العظيم، الذي أسسه نظامي، إلى أرقى درجات الكمال الفني باللغة التركية. وقد عرض هذه القصة الشعرية الجميلة بصورة أكثر إشراقا وجاذبية في ملحمته "سبعة السيارة". أما في ملحمة "بارامغورياني"، فإن الشاعر الجورجي يواصل تقاليد نظامي ونوائي، ويقدم تفسيرا خاصا للأساطير الشرقية الشهيرة المتعلقة ببهرام غور.

ومن الجوانب اللافتة أيضا أن نوائي، عند حديثه عن بهرام غور في كتابه "تاريخ ملوك العجم"، يتوقف عند حملاته على جورجيا. وقد ورد في المصادر التاريخية أن المناطق الشرقية من جورجيا، أي إيبيريا القديمة، كانت بالفعل خاضعة لفترة من الزمن لحكم بهرام الخامس (بهرام غور)، أحد ملوك الدولة الساسانية. ويعد ذلك دليلا آخر على إلمام نوائي بتاريخ جورجيا.

وتحتل في مؤلفات هؤلاء العباقرة الثلاثة مكانة بارزة موضوعات الحاكم العادل، والخير، والإنسان الكامل، والوفاء، والمحبة، والتزكية الروحية.

واستمر الاهتمام بتراث نوائي في جورجيا خلال الفترات اللاحقة أيضا. فقد ترجمت غزلياته وبعض قصائد "خمسته" إلى اللغة الجورجية، كما تناولها الباحثون بالدراسة. ويحتفظ المركز الوطني للمخطوطات باسم كورنيلي كيكيليدزه في تبليسي بعدد كبير من المخطوطات الشرقية النادرة باللغات العربية والفارسية والتركية، ومن بينها نسخ من مؤلفات نوائي نسخت في عصور مختلفة. كما أجرى علماء جورجيون، منهم جمشيد جيوناشفيلي، وماغالي تودوا، وألكسندر غفاخاريا، دراسات حول إبداع نوائي. وحتى اليوم، ترجمت إلى اللغة الجورجية مجموعة من غزلياته ورباعياته وملاحمه، بل أدرج بعضها في المناهج الدراسية.

ومن هذا المنطلق، فإن إقامة تمثال لعلي شير نوائي في مدينة تبليسي ليست أمرا عارضا، بل هي تعبير رمزي عن الاحترام المتبادل والقرب الروحي بين شعبين، وعن تقليدين أدبيين عظيمين أغنى كل منهما الآخر عبر القرون. فالأرض الجورجية التي ذكرها نوائي في شعره قبل خمسة قرون ونصف تحتضن اليوم تمثاله الشامخ.

ويزخر مجمل إبداع نوائي بالدعوة إلى المحبة، والخير، والتسامح، والمعرفة بين الشعوب. ومن هذا المنطلق، فإن التمثال الذي ارتفع في تبليسي ليس مجرد عمل فني، بل هو رمز للحوار الروحي. ولا شك أنه سيسهم في توطيد أواصر الصداقة بين أوزبكستان وجورجيا، والارتقاء بالتعاون الثقافي بينهما إلى مستوى جديد.

رستم جباروف

دكتور الفلسفة في فقه اللغة.

الأكثر قراءة

عرض جميع الأخبار

زيارة إلى المركز

خطط لزيارتك إلى المركز وسجّل.