

الأخبار
الحوار مع مستقبل الإنسانية
في ٧ يوليو من العام الجاري، ستتحول مدينة طشقند إلى مركز دولي للحوار العلمي والروحي. ففي هذا اليوم تنطلق في عاصمة أوزبكستان أعمال المنتدى الدولي للحضارة الإسلامية تحت شعار «الحضارة الإسلامية: طريق السلام والتسامح والعلم والمعرفة». ويجمع المنتدى في إطار فعالياته نحو ٣٠٠ عالم وباحث ومتخصص في الدراسات الإسلامية ومؤرخ وممثل عن المنظمات الدولية من قرابة ٥٠ دولة.
وقد يبدو هذا الحدث للوهلة الأولى مؤتمرا علميا آخر، لكن التعمق في مضمونه يكشف أنه يحمل دلالات أوسع بكثير. فهو ليس لقاء يتناول الماضي فحسب، بل يناقش المستقبل أيضا. ولا يقتصر على دراسة التاريخ، بل يطرح أفكارا تتعلق بمستقبل الإنسانية.
ويمتلك العالم اليوم من التقنيات ما لم يمتلكه في أي وقت مضى. فالذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والهندسة الوراثية، وأبحاث الفضاء توسع آفاق البشرية. ومع ذلك، لا تزال الحروب، وأزمات اللاجئين، وعدم المساواة الاجتماعية، والتعصب الديني، والفراغ الروحي قائمة في أنحاء العالم. وهذا يدل على أن التقدم لا تصنعه التكنولوجيا وحدها، بل تصنعه أيضا الأفكار. ومن هذا المنطلق، فإن المنتدى المنعقد في طشقند يعد حدثا فكريا مهما، ليس لأوزبكستان وحدها، بل للعالم بأسره.
المصادر المنسية لتقدم الإنسانية
عند الحديث عن الحضارة الحديثة، غالبا ما يشار إلى عصر النهضة الأوروبية، أو الثورة الصناعية، أو العلوم الغربية. غير أن المؤرخين يدركون جيدا أن سلسلة المعارف التي أسهمت في تقدم البشرية مرت عبر الشرق الإسلامي.
وخلال القرون من الثامن إلى الخامس عشر الميلادي، أصبحت الحضارة الإسلامية واحدة من أعظم المراكز العلمية والفكرية في تاريخ الإنسانية. وكان من أبرز مراكز هذه الحضارة أراضي أوزبكستان الحالية. فقد اشتهرت مدن سمرقند، وبخارى، وترمذ، وكيش، وأورغنج، وفرغانة، ليس بوصفها مراكز تجارية فحسب، بل باعتبارها أيضا مراكز علمية ذات مكانة عالمية. وفي هذه المدن ازدهرت الفلسفة، والرياضيات، وعلم الفلك، والطب، والفقه، والعلوم الشرعية.
وتقوم الأنظمة الرياضية التي يستخدمها العالم اليوم على الأسس التي وضعها محمد الخوارزمي. فقد أسس علم الجبر الذي أصبح فيما بعد أساسا لتطور الرياضيات الحديثة. بل إن مصطلح «الخوارزمية» الذي يعد من أهم مفاهيم العالم الرقمي المعاصر مشتق من اسمه.
كما تمكن أبو الريحان البيروني من حساب أبعاد الكرة الأرضية، وحقق إنجازات بارزة في مجالات الجغرافيا، وعلم المعادن، وعلم الفلك. وتعد أبحاثه ثورة علمية سبقت عصرها بعدة قرون.
أما كتاب «القانون في الطب» لأبي علي ابن سينا فقد ظل لعدة قرون المرجع الأساسي في الجامعات الأوروبية.
وأصبح المرصد الذي شيده ميرزا أولوغ بيك أحد أكثر المراكز العلمية تقدما في القرن الخامس عشر، وفتحت الرصود التي أجريت فيه صفحة جديدة في تاريخ علم الفلك.
وتؤكد هذه الأمثلة حقيقة واحدة، وهي أن الحضارة الإسلامية ليست تراثا دينيا فحسب، بل هي أيضا حضارة للعلم والمعرفة.
أعظم دروس الحضارة الإسلامية
ومن أبرز الموضوعات المطروحة للنقاش في المنتدى هذه الحقيقة بالذات. فتكمن قوة الحضارة الإسلامية ليس فقط في مبانيها العظيمة أو علمائها المشهورين، وإنما في قدرتها على الجمع بين العلم والقيم الروحية.
وقد اعتبر طلب العلم في المشرق الإسلامي واجبا مقدسا، ونظر إلى العلم بوصفه وسيلة لبلوغ الكمال الإنساني. ولذلك شهدت مدن مثل بخارى وسمرقند إقبالا من آلاف الطلاب، واحتضنت نشاط مئات العلماء.
واليوم يكثر الحديث عن وفرة المعلومات في العالم مقابل تراجع الحكمة. فالتكنولوجيا تتطور، لكن أزمة الثقة بين الناس لا تزال قائمة. ويستمر النمو الاقتصادي، إلا أن النقاش حول العدالة الاجتماعية لم يتوقف. وهذا يدل على أن القيم التي يحملها تراث الحضارة الإسلامية، مثل طلب العلم، والعدل، والتسامح، وكرامة الإنسان، ما زالت تحتفظ بأهميتها في القرن الحادي والعشرين.
مركز الحضارة الإسلامية... جسر بين التاريخ والمستقبل
تولي أوزبكستان خلال السنوات الأخيرة اهتماما كبيرا بدراسة تراث الحضارة الإسلامية والتعريف به على نطاق دولي. ومن أبرز المبادرات في هذا المجال مركز الحضارة الإسلامية، الذي أنشئ انطلاقا من الفكرة التي طرحها رئيس جمهورية أوزبكستان شوكت ميرضيائيف.
ولا يمكن قياس أهمية هذا المركز من خلال هندسته المعمارية أو معروضاته المتحفية فحسب، بل يجري تطويره ليكون مركزا فكريا بالمعنى الواسع.
ويضم المركز مخطوطات نادرة، ومصادر تاريخية قديمة، ولقى أثرية، ونماذج من التراث الثقافي. وفي الوقت نفسه، يؤدي دور منصة علمية حديثة للحوار بين العلماء والباحثين والشباب.
والأهم من ذلك أن أوزبكستان تبعث من خلال هذا المركز رسالة مهمة إلى العالم، مفادها أن تراث الحضارة الإسلامية ليس مجرد ذاكرة للماضي، بل هو أيضا مصدر لإلهام مستقبل التنمية.
لماذا الآن؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تكمن في مضمون المنتدى بأكمله. فالبشرية اليوم بحاجة إلى أفكار جديدة. وقد يحقق العالم نموا اقتصاديا، لكن من الصعب الحديث عن تنمية مستدامة إذا استمرت مشكلة الظلم.
وقد تتطور التكنولوجيا، لكن إذا لم تصن كرامة الإنسان، فإن التقدم يفقد معناه. وقد تصبح الدول قوية، لكن إذا غابت الثقة بين الشعوب، فلن يترسخ السلام. ومن هذا المنطلق، تكتسب القيم المتجسدة في تراث الحضارة الإسلامية، مثل التسامح، واحترام العلم، والعدل، والإنسانية، أهمية متزايدة في عالمنا المعاصر.
لا يكفي النظر إلى المنتدى المنعقد في طشقند بوصفه مؤتمرا علميا عاديا، فمضمونه يحمل بعدا آخر بالغ الأهمية.
فعندما تتحدث أوزبكستان اليوم عن الحضارة الإسلامية، فإنها لا تكتفي بالاعتزاز بتاريخها، بل تطرح قيما إنسانية مشتركة. وتحمل هذه الرسالة دعوة إلى الوئام بين الشعوب، والحوار بين الأديان، والنظر إلى العلم والمعرفة بوصفهما أساسا للتقدم، والإيمان بأن كرامة الإنسان هي أسمى القيم. وهذه الجوانب هي التي تجعل المنتدى حدثا ذا أهمية دولية.
من الماضي إلى المستقبل
كانت سمرقند وبخارى في الماضي مقصد الباحثين عن العلم، وأسهمت الإنجازات العلمية التي تحققت على هذه الأرض في تقدم الإنسانية جمعاء. واليوم تقدم أوزبكستان هذا الإرث التاريخي برؤية معاصرة، وتعرضه على الأجيال الجديدة وعلى العالم بأسره.
ويأتي المنتدى الدولي المنعقد في طشقند امتدادا طبيعيا لهذا التوجه. فمن خلاله تؤكد أوزبكستان فكرة جوهرية، وهي أن مستقبل الإنسانية لا تصنعه التقنيات الحديثة وحدها، بل تصنعه أيضا الأفكار العظيمة.
ومن هذا المنطلق، فإن أوزبكستان، وهي تبرز تراث الحضارة الإسلامية، لا تستحضر ماضيها فحسب، بل توجه إلى العالم رسالة تؤكد أهمية العلم، والمعرفة، والتسامح، والعدل، وكرامة الإنسان. ولذلك فإن هذا ليس حديثا عن التاريخ فقط، بل هو حوار حول مستقبل الإنسانية.
أبوالفيض سعيد عسكروف
ملاحظة: يمكن إعادة نشر المقال مع الإشارة إلى الموقع الرسمي للمركز
الأكثر قراءة


قام رئيس جمهورية صربيا ألكسندر فوتشيتش بزيارة مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان

مركز الحضارة الإسلامية – منصة عالمية تقود إلى المعرفة
زيارة إلى المركز
خطط لزيارتك إلى المركز وسجّل.