

الأخبار
Al-Ahram: «نداء حضاري جديد ينطلق من طشقند»
في مقال نشر على المنصة التحليلية الناطقة بالإنجليزية التابعة لصحيفة Al-Ahram، إحدى أبرز الصحف المصرية، جرى التأكيد على أن مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان يمثل منصة عالمية مهمة للتأمل في ماضي الحضارة الإسلامية ومستقبلها. ويشير الكاتب، خلال زيارته للمركز، إلى أن الحضارة الإسلامية ليست «تراثا من الماضي»، بل هي مشروع حضاري حي يواصل الإسهام في تقدم الإنسانية. كما يبرز المقال جهود أوزبكستان في عرض تراث الحضارة الإسلامية في انسجام مع العلوم والتكنولوجيا الحديثة، مؤكدا أن نشاط مركز الحضارة الإسلامية يجسد عمليا فكرة النهضة الفكرية الجديدة وعصر النهضة الثالث.
في الأسبوع الماضي، زرت مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان، الذي افتتحه مؤخرا رئيس جمهورية أوزبكستان شوكت ميرضيائيف. وبينما كنت أتجول بين المخطوطات النادرة، ونسخ القرآن الكريم التي يعود تاريخها إلى أكثر من ألف عام، والتقنيات الحديثة التي تحول ذاكرة الحضارة إلى حوار حي مع الزائر، راودتني أسئلة كثيرة. وكان من أهمها: كيف يستطيع المكان والزمان أن يعيدا طرح الأسئلة الكبرى في تاريخ الإنسانية على جدول الأعمال من جديد؟
قبل ما يقرب من ثلاثين عاما، عندما كنت أدرس في جامعة هارفارد، كان اسم صموئيل هنتنغتون من أكثر الأسماء تداولا في قاعات المحاضرات والنقاشات الأكاديمية. وكانت نظريته حول «صدام الحضارات» تؤثر بقوة في الفكر السياسي الغربي وفي التصورات المتعلقة بمستقبل العالم. ووفقا لهذه الرؤية، فإن عالم المستقبل سيقوم على الانقسام والتنافس والصراع بين الحضارات، بينما كان الإسلام ينظر إليه في الأوساط الأكاديمية الغربية بوصفه الخصم الأكثر تعقيدا.
لقد قرأت، واستمعت، وشاركت في النقاشات، لكن كان لدي يقين هادئ وحاسم بأن هذه النظرية تعاني خللا جوهريا في أساسها. فالحضارة التي صورتها بدت وكأنها انتهت، أو في أفضل الأحوال تجمدت في الزمن. أما الحضارة الإسلامية التي أعرفها فلم تكن كذلك.
ثم جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فأطلقت موجة واسعة من المواقف السلبية تجاه الإسلام والمسلمين في الوعي العام الغربي. وبدأت الدراسات الأكاديمية ووسائل الإعلام تكرر، بصيغ مختلفة، السؤال نفسه: «ما الذي حدث خطأ في الإسلام؟»
ونتيجة لذلك، لم تعد الجراح التاريخية، أو إرث الاستعمار، أو أوجه الظلم البنيوي في النظام الدولي، هي موضع النقاش، بل أصبح الدين نفسه وكأنه المتهم. وأكثر ما أثار قلقي لم يكن السؤال في حد ذاته، بل الطريقة التي جرى بها تجريده من مضمونه وتحميله ما لا يحتمل، حتى تحول من سؤال يستدعي التحليل النقدي إلى اتهام مبطن.
وبعد مرور عشر سنوات، فتحت الأحداث التي عرفت باسم «الربيع العربي» فصلا جديدا تحت عنوان «فشل الإسلام السياسي». وما زلنا حتى اليوم نعيش آثار تلك التجربة المريرة. كما أفرز هذا المسار خطرا آخر، تمثل في الخلط بين الإسلام بوصفه دينا وحضارة، وبين الحركات الإسلامية السياسية، واختزال تقليد حضاري ثري بأكمله في إطار الصراع على السلطة.
ومن هذه المحطات الثلاث البارزة في التاريخ المعاصر، أعود مجددا إلى طشقند، فأجد فيها إجابة مختلفة عن تلك الأسئلة. إنها ليست إجابة دفاعية، ولا ردا على الاتهام باتهام مضاد، بل هي إجابة تنطلق من منطق مختلف تماما.
يقف هذا الصرح المهيب في قلب مدينة كانت يوما من أعظم مراكز الحضارة الإسلامية الفكرية، ويعلن بحجمه وروعته المعمارية ومضمونه حقيقة واضحة: إن الحضارة الإسلامية لم تنقطع قط، وإن مشروعها الحضاري العظيم لخدمة الإنسانية لم يتوقف يوما.
وفي الحقيقة، لم تكن المشكلة يوما في الإسلام ذاته، بل كانت في اتساع الفجوة، عبر القرون اللاحقة، بين المنظومة الحضارية الإسلامية الغنية والمتكاملة وبين واقع الحياة العملية في كثير من المجتمعات الإسلامية. وليس هناك ما يبرر الادعاء بأن الحضارة التي أنجبت علماء كبارا مثل الغزالي، وابن رشد، وابن سينا، وابن خلدون، والبيروني، والتي كانت طشقند إحدى حواضرها العلمية، هي مصدر الأزمات التي يشهدها العالم الإسلامي اليوم.
إن النهضة المطلوبة اليوم تبدأ، قبل كل شيء، بإعادة بناء الإنسان. إننا بحاجة إلى إنسان يعرف هويته، لكنه في الوقت نفسه منفتح الفكر، يستلهم من تراثه العظيم أجوبة للأسئلة الجديدة، فلا يختبئ وراء الإجابات القديمة، ولا يتخلى عنها كليا.
وتتحقق هذه النهضة من خلال مؤسسات علمية حقيقية تحترم العقل، وتنتج المعرفة، وتدير تنوع الآراء على أساس الدليل والثقافة. أما أسمى تجلياتها فتتمثل في القيم العظيمة للإسلام: العدل، والرحمة، والإحسان، وكرامة الإنسان. وهذه القيم ليست شعارات تكتب على الجدران، بل مبادئ ينبغي أن تتجسد في السياسات العامة، والتشريعات، والحياة اليومية.
وفي تلك القاعة في طشقند، حيث تحفظ مصحف الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه في بيئة تجمع بين عبق التاريخ وأحدث التقنيات، رأيت الحضارة الإسلامية لا بوصفها حضارة من الماضي فحسب، بل باعتبارها إمكانية للمستقبل.
ورأيت نموذجا لمجتمع قادر على الحوار مع العالم دون أن يفقد هويته؛ مجتمع لا يعزل نفسه عن العالم، ولا ينفتح عليه حتى يذوب فيه، بل حضارة تدرك من تكون، وتنخرط بثقة في حوار مع ما يجري حولها.
ومن طشقند تخرج رسالة ينبغي أن يسمعها العالم أجمع: إن الحضارة الإسلامية لا تحتاج إلى من يدافع عنها بقدر ما تحتاج إلى من يعيد بناءها. ويجب أن يعاد تشييدها خطوة بعد خطوة، ومؤسسة بعد مؤسسة، وجيلا بعد جيل.
الأكثر قراءة


قام رئيس جمهورية صربيا ألكسندر فوتشيتش بزيارة مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان

مركز الحضارة الإسلامية – منصة عالمية تقود إلى المعرفة
زيارة إلى المركز
خطط لزيارتك إلى المركز وسجّل.