

الأخبار
٣٥ عاما من الاستقلال وتحول فكري جديد
في سبتمبر ٢٠١٧، أكد رئيس أوزبكستان شوكت ميرضيائيف من منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة أن مواجهة الإرهاب والتطرف باستخدام القوة وحدها ليست كافية، ولفت الانتباه إلى أن الجهل والتعصب يمثلان أحد جذورهما. ورفض رئيس دولتنا رفضا قاطعا مساواة الإسلام بالعنف وسفك الدماء، ودعا المجتمع الدولي إلى التركيز على الجوهر الإنساني للدين. وبعد مرور تسع سنوات، وفي أوزبكستان المستقلة التي تستعد للاحتفال بالذكرى الـ٣٥ لاستقلالها، تحولت هذه الفكرة إلى أحد التوجهات العملية لسياسة الدولة، من خلال التوسع الكبير في نطاق التعليم، وإنشاء المؤسسات العلمية والتنويرية، وظهور صروح جديدة مثل مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان.
نظرة جديدة إلى الاستقلال
هناك تواريخ لا تقتصر أهميتها على الاحتفال بها فحسب، بل تتيح أيضا إعادة تقييم المسيرة التي تم قطعها.
تستعد أوزبكستان للاحتفال بالذكرى الـ٣٥ لاستقلالها. ويمكن قياس هذه المرحلة بالمؤشرات الاقتصادية والبنية التحتية الجديدة والمدن والمؤسسات الحكومية. غير أن أحد أكثر التحولات عمقا وتعقيدا التي تشهدها البلاد يتجلى في نظرة الإنسان إلى المعرفة والتاريخ والمستقبل.
نداء من منبر الأمم المتحدة
وقعت إحدى أبرز المحطات الدولية لهذه السياسة في نيويورك يوم ١٩ سبتمبر ٢٠١٧. ففي أول خطاب له أمام الدورة الـ٧٢ للجمعية العامة للأمم المتحدة، تحدث الرئيس شوكت ميرضيائيف عن تهديد الإرهاب والتطرف، مؤكدا أن النهج الذي يعتمد بصورة أساسية على استخدام القوة في مواجهتهما لم يثبت فعاليته.
وأشار الرئيس إلى الجهل والتعصب باعتبارهما من العوامل التي تغذي التطرف. وفي الوقت نفسه، عارض ربط الدين الإسلامي بالعنف، مؤكدا ضرورة تعريف المجتمع الدولي بجوهره الإنساني.
ومن هذا المنبر تحديدا، طرح شوكت ميرضيائيف مبادرة لاعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا خاصا بعنوان «التنوير والتسامح الديني». وكان من بين أهدافه الرئيسية توسيع فرص الحصول على التعليم والقضاء على الأمية والجهل.
وبعد أكثر من عام بقليل، في ١٢ ديسمبر ٢٠١٨، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار «التنوير والتسامح الديني».
ومن هذا المنطلق، لم يعد مبدأ «التنوير في مواجهة الجهل» بالنسبة لأوزبكستان مجرد شعار روحي وفكري، بل أصبح نهجا سياسيا يحدد الترابط بين الأمن وسياسة الشباب والتسامح الديني والتعليم.
من الفكرة إلى المؤسسات
ومن الجوانب المهمة الأخرى لخطاب أوزبكستان في الأمم المتحدة عام ٢٠١٧ أنه لم يقتصر على دعوة المجتمع الدولي إلى التنوير، بل عرض أيضا خططا لتحويل هذا النهج إلى مؤسسات عملية داخل البلاد.
وقد طرحت مبادرتا إنشاء مركز الإمام البخاري الدولي للبحوث العلمية ومركز الحضارة الإسلامية في طشقند بوصفهما جزءا من هذه السياسة.
وعندما وضع حجر الأساس لمركز الحضارة الإسلامية عام ٢٠١٨، ربط الرئيس فكرته الأساسية بدراسة تراث الأجداد العظماء، وتربية الشباب، وتطوير العلوم والثقافة، وترسيخ مبدأ «التنوير في مواجهة الجهل».
وبعد مرور ثماني سنوات، افتتح المركز رسميا في ١٧ مارس ٢٠٢٦.
وهكذا، تحولت الفكرة التي طرحت من منبر الأمم المتحدة عام ٢٠١٧، بحلول عام ٢٠٢٦، إلى مؤسسة علمية وتنويرية كبرى في قلب طشقند.
تاريخ يمتد على مساحة ٥٠ ألف متر مربع
يقع مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان على مساحة تقارب ١٠ هكتارات، فيما تبلغ مساحته الإجمالية المستخدمة ٥٠ ألف متر مربع. غير أن أهميته لا تقتصر على حجم المبنى. فقد أنشئت فيه مسارات عرض رئيسية تشمل مرحلة ما قبل الإسلام في أراضي أوزبكستان، وعصري النهضة الأولى والثانية، إلى جانب معرض «أوزبكستان الجديدة — أساس النهضة الثالثة». وفي القاعة الرئيسية للمركز تعرض إحدى أقدم نسخ القرآن الكريم في العالم — مصحف عثمان.
ويجمع المركز بين المخطوطات القديمة والاكتشافات الأثرية والخرائط التاريخية وغيرها من الكنوز الثقافية وبين أحدث التقنيات المتحفية. وفي إطار هذا النهج، لا يقتصر الأمر على عرض التاريخ فحسب، بل يهدف أيضا إلى دراسته ورقمنته وإدخاله في التداول العلمي ونقله إلى الأجيال الجديدة.
وهنا تلتقي الرؤية السياسية مع الرؤية المتحفية في نقطة واحدة: تقديم الحضارة الإسلامية بوصفها تاريخا للمعرفة.
الحضارة الإسلامية — ليست مجرد تاريخ للدين
كانت آسيا الوسطى على مدى قرون موطنا لنشوء مدارس علمية كبرى في الرياضيات والفلك والطب والجغرافيا والفلسفة وعلم الحديث وغيرها من المجالات.
ويمثل إرث الخوارزمي في الرياضيات، وأبحاث أبي الريحان البيروني في العلوم الطبيعية والدقيقة، وإسهامات ابن سينا في الطب، ومدرسة ميرزا أولوغ بيك الفلكية، وجهود الإمام البخاري في علم الحديث، جوانب مختلفة من هذا التاريخ.
وفي أوزبكستان الجديدة، يبرز توجه نحو إعادة تقديم هذه الشخصيات ليس بوصفها رموزا للماضي فحسب، بل باعتبارها أساسا فكريا للتعليم والعلوم المعاصرة.
وهذا فارق مهم.
فالمرحلة الأولى في التعامل مع التراث التاريخي هي الحفاظ عليه.
والمرحلة الثانية هي دراسته.
أما المرحلة الأكثر تعقيدا فهي — إنتاج معرفة جديدة انطلاقا منه.
عندما يصبح التنوير جزءا من سياسة الأمن
من أكثر الجوانب إثارة للاهتمام في النهج الأوزبكي عدم النظر إلى التعليم والتسامح الديني بمعزل عن الأمن.
ففي خطابه أمام الأمم المتحدة عام ٢٠١٧، أكد شوكت ميرضيائيف أن التطرف لا يمكن التغلب عليه باستخدام القوة وحدها. ووفقا لهذا النهج، فإن توفير المعرفة والفرص الاجتماعية وبيئة التفكير المستقل للشباب يمثل أحد الحواجز طويلة الأمد في مواجهة الفكر المتطرف.
ومن هذا المنطلق، فإن مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان، ومجمع الإمام البخاري، والجامعات والمراكز العلمية ليست مؤسسات منفصلة عن بعضها بعضا. بل تجمعها فكرة واحدة — تكوين إنسان متعلم وواع.
التعليم في الدستور أيضا — حق ومسؤولية للدولة
ينص دستور أوزبكستان بصيغته الجديدة على حق كل شخص في التعليم. كما ينص على أن الدولة تعمل على تطوير نظام التعليم المستمر ومختلف أشكاله، وتضمن التعليم الثانوي العام، وتوفر ظروف التعليم الشامل للأطفال ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة.
وتظهر هذه القاعدة القانونية أيضا أن التعليم ينظر إليه باعتباره أكثر من مجرد خدمة اجتماعية، بل موردا استراتيجيا لتنمية الدولة.
ليس عودة إلى الماضي — بل توظيفه من أجل المستقبل
وهنا يطرح سؤال طبيعي: لماذا تولي دولة تسير في طريق التحديث كل هذا الاهتمام بالتاريخ؟
الجواب — ليس من أجل العودة إلى الماضي.
بل من أجل المضي نحو المستقبل بثقة أكبر.
فالذاكرة التاريخية والتحديث ليسا مفهومين متعارضين. فالجذور لا تشد الشجرة إلى الخلف، بل تمنحها القدرة على النمو إلى الأعلى.
وتبدأ المشكلة عندما يقتصر الأمر على الافتخار بالأجداد.
فإذا كنا نفخر بالخوارزمي، فإن السؤال التالي هو:
من ينشئ اليوم مدارس رياضية جديدة؟
وإذا ذكرنا اسم ابن سينا:
ما الإسهامات الجديدة التي يقدمها علماء الطب المعاصرون في أوزبكستان للعلم العالمي؟
وإذا تحدثنا عن أولوغ بيك:
ما المكانة التي تحتلها البلاد اليوم في علم الفلك وأبحاث الفضاء؟
وإذا استحضرنا الإمام البخاري:
إلى أي مدى يتعامل جيل اليوم بمسؤولية مع الحقائق والمصادر؟
إن هذه الأسئلة هي التي تحول الذاكرة التاريخية من الحنين إلى الماضي إلى آلية للتقدم.
مرحلة النضج في مسيرة الاستقلال
٣٥ عاما ليست فترة طويلة جدا في تاريخ دولة، لكنها مدة كافية لتعاقب جيل كامل.
وخلال هذه الفترة، أنشأت أوزبكستان مؤسسات الدولة ذات السيادة، واندمجت في المجتمع الدولي، وأعادت إحياء العديد من صفحات تاريخها الوطني.
أما في المرحلة الأخيرة، فقد بدأت تظهر مؤسسات جديدة تهدف إلى ربط الذاكرة التاريخية بالتعليم والعلوم.
ويعد مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان أحد أبرز رموز هذا التوجه.
وبحلول ١ يونيو ٢٠٢٦، أي خلال شهرين ونصف فقط من افتتاحه الرسمي، بلغ عدد الزوار المحليين والأجانب للمركز نصف مليون زائر. وخلال الفترة نفسها، استقبل المركز أكثر من ١٥٠ وفدا أجنبيا وما يزيد على ٢٠٠٠ زائر من خارج البلاد.
وفي مجال العلوم والابتكار، نفذ المركز ٨١٠ مشروعات بمشاركة نحو ٢٠٠٠ عالم وباحث من أوزبكستان وخارجها.
وتشير هذه الأرقام إلى أن المركز يتطلع إلى أداء دور علمي أوسع من مجرد كونه متحفا تقليديا.
الاختبار الحقيقي لا يزال في المستقبل
لكن من منظور وكالات الأنباء الدولية، لا يكفي تقديم هذه المسيرة على أنها مجرد قائمة من الإنجازات.
فالاختبار الرئيسي لأوزبكستان يبدأ الآن.
لقد توسع نطاق التعليم العالي بشكل كبير — والآن يجب ضمان جودته.
وأنشئت مراكز علمية جديدة — والآن من الضروري زيادة نتائج البحوث ذات الأهمية الدولية.
ويجري جمع آلاف المخطوطات والمعروضات — والآن يتعين دراستها بصورة مهنية ورقمنتها وإدخالها في التداول العلمي العالمي.
كما أنشئت مجمعات ضخمة للزيارة والمتاحف — والآن ينبغي تحويلها إلى مدارس فكرية يتعلم فيها الشباب ويفكرون ويطرحون الأسئلة ويكتسبون المعرفة.
من الفخر بالأجداد إلى المسؤولية أمام الأجيال
عشية الذكرى الـ٣٥ لاستقلال أوزبكستان، لعل السؤال الأهم بالنسبة للبلاد ليس «من كنا؟»، ولا حتى «من نحن؟». بل السؤال الأساسي هو: «من نريد أن نكون؟» ولذلك، فإن الذكرى الـ٣٥ للاستقلال ليست مجرد مناسبة للاحتفاء بالإنجازات التي تحققت، بل هي أيضا محطة مهمة لطرح سؤال جديد على أنفسنا. لقد حان الوقت لكي نسأل أنفسنا، لا «ماذا حققنا خلال هذه السنوات؟»، بل «ماذا سنصنع خلال السنوات الخمس والثلاثين المقبلة؟». من السهل أن نفخر بالمعرفة التي ورثناها عن أجدادنا العظماء، لكن إنتاج معرفة جديدة تليق بهذا الإرث أكثر صعوبة بكثير.
ومن هذا المنطلق، فإن الوريث الحقيقي للخوارزمي والبيروني وابن سينا وأولوغ بيك والإمام البخاري ليس من يكرر أسماءهم، بل من يسعى إلى إنتاج معرفة جديدة كما فعلوا.
ولم تعد القضية الأساسية اليوم تكمن في عدد المباني والمؤسسات.
بل في نوعية الأجيال التي ستنشأ في هذه المؤسسات.
لأن القوة الحقيقية للدولة في القرن الحادي والعشرين لا تقاس فقط بالموارد الطبيعية أو الاقتصاد أو البنية التحتية.
إن أعظم رأسمال لها هو — الإنسان القادر على التفكير وإنتاج المعرفة ومواجهة الجهل بالتنوير.
ومن هذا المنطلق، فإن الذكرى الـ٣٥ للاستقلال ليست محطة نهائية.
بل هي بداية لسؤال جديد: بعد هذا الإرث العظيم الذي تركه لنا أجدادنا، ما الإرث الذي سنتركه نحن للأجيال القادمة؟ فلنكن جديرين بالإجابة عن هذا السؤال.
أبوالفيض سيدعسكروف
ملاحظة: يمكن إعادة نشر المقال مع الإشارة إلى رابط الموقع الرسمي للمركز
الأكثر قراءة


قام رئيس جمهورية صربيا ألكسندر فوتشيتش بزيارة مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان

مركز الحضارة الإسلامية – منصة عالمية تقود إلى المعرفة
زيارة إلى المركز
خطط لزيارتك إلى المركز وسجّل.