نسخة التجربة من الموقع

مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان
banner

الأخبار

سر الحكم في العرض المعاصر

ضريح خوجه أحمد يسوي

 

في هذا العصر المتسارع الذي تهيمن فيه التقنيات الرقمية، امتلأ فكر الإنسان بمختلف المعلومات. ومع ذلك، كلما ازداد تدفق هذه المعلومات، ازدادت فراغات القلوب واشتدت المعاناة الروحية، وليس ذلك بسر. فالإنسانية تبحث عن سند روحي في خضم تيارات فكرية متنوعة. وفي مثل هذه البيئة، يجري اكتشاف جديد للمصادر القديمة التي تدعونا نحو الطهارة الداخلية، الصبر، المحبة، التواضع، الأمانة والحق. ومن بين هذه المصادر المشروع الضخم الجاري إنشاؤه في أوزبكستان بمبادرة وفكرة من الرئيس – معرض مركز الحضارة الإسلامية.

 

تُعدّ حكم أحمد يسوي، والتي تُعدّ من أسس أدب التصوف، من المصادر القديمة التي تركت أثراً لا يُمحى في قلوب شعبنا لقرون، وهي تُكتشف من جديد في كل مرة.

 

فأحمد يسوي لم يكن فقط من كبار المتصوفة في عصره، بل كان طبيب قلوب أنشد القيم الإنسانية بكلماته. وحكمه، التي غالباً ما تكون على شكل شعري، تتناول مواضيع واسعة تمتد من صراع النفس البشرية إلى قيم العدالة، الرحمة، والخير في المجتمع. فالحكم لا تدعو الإنسان إلى الهروب من هموم الدنيا، بل إلى إدراك جوهرها العميق. وهي تُعبّر عن دقائق الحياة، والبحث الروحي، والانبعاث الداخلي، وطرق الوصول إلى الحقيقة.

 

اليوم يُثنى على شبابنا لسعيهم نحو العلم، التكنولوجيا، والفكر العالمي. ومع ذلك، فإن السير على هذا الطريق بالشكل الصحيح وتوجيهه نحو الكمال يتطلب أيضاً قوة روحية. وإن حكم يسوي قادرة أن تكون ذلك السند الروحي القوي. فهذه الحكم لا تفقد قيمتها مع مرور الزمن، بل على العكس، يمكنها أن تقدم إجابات للمشكلات الجديدة التي تواجه الإنسانية.

 

وإذا نظرنا إلى حكم أحمد يسوي بعين معاصرة، فإننا نجد فيها دروساً ليس فقط دينية وأخلاقية، بل كذلك أفكاراً عن النمو الشخصي، المسؤولية الاجتماعية، الصحوة الداخلية، والحياة الواعية. لذلك فإن دراسة حكم يسوي ليست نظرة إلى الماضي، بل هي شكل من أشكال التقدم نحو المستقبل.

 

الجوهر الروحي للحكم

 

لقد سعى أحمد يسوي من خلال حكمه إلى إيقاظ قلب الإنسان روحياً، وقيادته نحو الحقيقة الإلهية. فهذه الحكم لا تتضمن فقط أفكار التصوف، بل تختزل أيضاً التجربة الحياتية، التربية الروحية، والدروس الأخلاقية. كل حكمة هي ألم، معاناة، وصحوة. وفيما يلي سنحلل الإرث الروحي لهذا المتصوف العظيم من منظور عصري، انطلاقاً من بعض حكمه.

 

الابتعاد عن النفاق: اليقظة الأخلاقية

 

يا أخي، لا تصاحب المنافق
من يصاحبه، فوق رأسه مئة ألف بلية

 

تُنبّه هذه الحكمة الإنسان إلى ضرورة التيقظ في اختيار الأصدقاء، والابتعاد عن من لا يتطابق قلبه مع عمله، أي عن أصحاب الوجهين. فالنفاق آفة تهدم المجتمع من الداخل. وكما يحذر يسوي اليوم أيضاً، فإن الازدواجية، الرياء، والكذب تضعف أساس الثقة في المجتمع. فالصداقة يجب أن تقوم لا على العلاقة الظاهرية فقط، بل على الانسجام الروحي أيضاً.

 

ما أعظم الفضيلة: الزهد والقناعة

 

من زهد في النفس وجعل القناعة سبيلاً
ورضِي بما وجد وخضع خضوعاً جميلاً
وخدم الأخيار ونال منهم دعاءً جليلاً
فمثل هذا العاشق، لا يعرف له خصمٌ يوم الحشر

 

هذه الحكمة تختزل في أربعة أسطر فلسفة حياة كاملة. أولاً، يعتبر يسوي الزهد في النفس – أي التخلي عن الطمع، والغرور، والانتقام، والحسد – أسمى أنواع الانتصار الروحي. أما القناعة، فهي من القيم التي تندثر في مجتمع الاستهلاك المتسارع اليوم. فالإنسان المعاصر يطمح إلى الامتلاك أكثر، ولكنه يرضى أقل. وفي مثل هذا الزمن، تدعونا هذه الحكمة إلى ثقافة السكينة الداخلية، والصبر، والرضا.

 

كذلك، فإن خدمة الأخيار ونيل دعائهم ليست فقط رمزاً لخدمة الشيخ في التصوف، بل أيضاً رمزاً لاتباع النورانيين في الحياة، والاستحقاق لدعائهم.

 

طريق العشق – فضاء لا نهاية له

 

ما دمت حياً، فلن يُغلق دفتر العشق

 

يفتح هذا السطر نافذة على أعمق مفاهيم التصوف – العشق. فالعشق هنا لا يعني فقط الحب الإنساني، بل المحبة الإلهية، حب الحق، والنظر برحمة إلى مخلوقاته. ووفقاً ليسوي، ما دام الإنسان على قيد الحياة، ينبغي أن يفيض قلبه بالعشق، وأن يدفعه هذا الحب إلى السعي المستمر والتطهر الدائم.

 

وفي عصرنا هذا، فإن كل من يبحث عن السكينة الروحية ومعنى الحياة سيجد في هذا السطر طريقاً إلى قلبه. فالعشق هو الحركة، هو الصحوة الروحية، وهو أسمى درجات الوجود.

 

العلم والتفكر – وجه من وجوه العبادة

 

القراءة والتفكر عبادة أيضًا

 

تعبر هذه الحكمة عن اهتمام أحمد يسوي العميق بالعلم والتفكر. فبرأيه، العبادة الحقيقية لا تقتصر على الركوع والسجود، بل تشمل أيضًا التعلم، والتفكر، والبحث عن الحقيقة. وهذه الفكرة على درجة عالية من الأهمية في زمننا المعاصر: فطلب العلم، وإعمال الفكر، وتربية العقل هي أيضًا سبيل للتطهر الروحي.

 

إن عمق الفكر الاجتماعي والروحي في حكم يسوي يمكن أن يكون برنامجًا حياتيًا لجيل اليوم. فهذه الحكم تجسد مناعة روحية، وكمالًا إنسانيًا، وفلسفة العيش بالحق والمحبة. فرغم بساطة شكلها، إلا أن طبقات المعاني فيها تحفّز كل قارئ على التفكير بحسب حالته، فتوقظه وتربيه.

 

وتحظى حكم أحمد يسوي بمكانة خاصة في معرض مركز الحضارة الإسلامية الجاري إنشاؤه في أوزبكستان بمبادرة من رئيس دولتنا. فهذه الحكم شكّلت على مر العصور معاييرنا الأخلاقية، وتخدم اليوم كمصدر مهم لرفع الوعي الروحي لدى الجيل الجديد.

 

وحكم يسوي المعروضة في المعرض تُقدَّم لا كتراث أدبي تاريخي فحسب، بل كمشروع روحي يدعو الإنسان إلى الطهارة، والصبر، والأمانة، والتواضع. ولا شك أنها ستظل مدرسة للعبرة ومرشداً روحياً حتى لشباب اليوم.

 

حسان تورسونوف

ملاحظة: يمكن استخدام المقال مع الإشارة إلى الموقع الرسمي للمركز.

 

carousel image 1

الأكثر قراءة

عرض جميع الأخبار

زيارة إلى المركز

خطط لزيارتك إلى المركز وسجّل.