

الأخبار
...عن بيت أعظم من الكعبة
من المتوقع أن تُعرض في جناح مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان نسخ مخطوطة من مؤلفات علي شير نوائي تعود إلى القرنين الخامس عشر والسابع عشر. ومن بينها نسخ ديوان خمسة التي نُسخت في القرن الخامس عشر على يد عبد المجيد طقاني والخطاط سلطان علي المشهدي لصالح السلطان حسين ميرزا. ويعترف علماء الشرق والغرب بأن ديوان خمسة الذي يُعد تاج تراث نوائي هو كنز نفيس يصقل فكر الإنسان وذاكرته. واليوم، فإن عرض أندر وأصَحّ نسخ خمسة في جناح المركز يعد بشرى سارّة لأهل المعرفة، إذ إن أجمل تجليات فلسفة الإنسان الكامل كالحب الإلهي، والقناعة، والسخاء، والهِمّة، ونقد النفس، والتوبة، والتضرع، والذكر، والسماع هي حالات قلبية داخلية تبقى حية وصادقة في كل العصور والأزمان. فلنتدبر اليوم معكم، على حد تعبيره، عن البيت الأعظم من الكعبة. فالقصيدة حيرة الأبرار في بابها السابع عشر في وصف القلب تقول:
كالكعبة التي صارت قبلة العالم
لا قدر لها كالذي للقلب الكعبة
فالكعبة موضع سجود الخلائق
أما القلب فمجلى الخالق.
(يمكنك العثور على النص الأصلي في نسخته الأوزبكية)
ومن خلال هذه الأبيات يبين نوائي أن الكعبة المكرمة، وهي قبلة العالم، ليس قدرها كقدر القلب، لأن الكعبة مكان سجود وعبادة الناس، أما القلب فهو مقر الحق ومجلى تجلياته. ويواصل في وصف القلب فيقول:
السالك سماه العرش المعلّى
والصوفي سماه العالم الأكبر
وفي غاية الجمال هذا العالم الأعظم
مستور عن أعين جميع أهل العالم.
(يمكنك العثور على النص الأصلي في نسخته الأوزبكية)
يشير إلى أن السالكين (الذين يهدون إلى الطريق) قد سمّوا القلب السماء الأعلى، بينما الصوفيون أطلقوا عليه العالَم الأكبر، لكن هذا العالَم العظيم، الذي مجاله أوسع من العرش الأعلى، يظل خفيًّا في عالم المادة عن أعين الناس، ولا يراه إلا من انفتح بصر قلبه، وهو نصيب لا يُعطى للجميع. وتقول الباحثة في تراث نوائي، دِلنواز يوسفوفا: في رأيه، إن مقصد الله ومراده من خلق جسد الإنسان هو خلق أكرم أعضائه القلب.
كما أن حضرة نوائي في التنبيه رقم ١٢٥ من كتاب محبوب القلوب تحدث عن بيت القلب، وذكر وجوب حفظ خمسة أنواع من البيوت من خمسة أشياء مختلفة: البيت المبني من الطين والوحل يحفظ من الماء، والبيت المبني من الخشب والقصب يحفظ من النار، والبيت المبني من اللباد يحفظ من الريح، وبيت العين يحفظ من التراب، وبيت القلب يحفظ من غير الحق.
كما أن لكل بيت من البيوت الأربعة ضدًّا يفسده
فإن البيت الخامس يفسده الأجنبي عنه.
(يمكنك العثور على النص الأصلي في نسخته الأوزبكية)
ويقول إنه إذا لم يُصن البيت الخامس من العدو، فإن جميع أعمالك باطلة، ويربط ضد البيت الخامس بمحبة الدنيا. فشغل بيت القلب بأمتعة الدنيا يلهي الإنسان عن طريق الحق، وهو ضرر بيّن كالشمس.
وفي التنبيه رقم ٥٩ من كتاب محبوب القلوب يتأمل حضرته في مفتاح كنز القلب، ويفهم من كلامه أن قفل كنز القلب هو اللسان، وأن مفتاح ذلك الكنز هو أيضًا اللسان:
إذا قيل حال القلب فهو الكلام
إذ في المخزن إمّا درّ أو صدف مكسور.
(يمكنك العثور على النص الأصلي في نسخته الأوزبكية)
عندما كتب ذلك، كان يقصد أن الحالة الحقيقية للقلب، وما إذا كان في كنزه درّ أو قطعة صدف مكسورة، يمكن أن يظهر حين يتكلم الإنسان.
لقد ملأ الله قلب الإنسان بكنز العلم، ثم قوّاه باللسان الذي يترجم الباطن إلى ظاهر، وفضّله بذلك على جميع المخلوقات، فلماذا لا نستخدم هذه النعمة العظمى في سبيل الخير وثوابنا؟! ولماذا من غير أن نشعر نغرق القلوب التي هي أقدس حتى من أقدس بيت في الدنيا، الكعبة المشرّفة؟! كل يوم نستيقظ، ونتهيأ لمشاغل الحياة، وننطلق في سفرنا. فإذا صادفنا في طريقنا سائلًا، أو طفلًا طائشًا لأحدهم، أو شخصًا لا توافقنا أفعاله، بادرنا بألسنتنا إلى إصلاحه على طريقتنا. بل وأحيانًا، حتى لا يختلّ راحتنا، لا نتورع عن أن نجرح بلساننا قلب أمّنا المبارك والمقدس.
وفي كتاب حضرته نسائم المحبة هناك حكاية أثرت فيّ منذ سنين، أحببت أن أرويها لكم أيضًا: خرج الشيخ أبو عبد الله مع أمه إلى الحج. وفي العشر الأواخر من شهر رمضان، وقع في قلب الشيخ شوق لنيل شرف عبادة ليلة القدر. فكان يصعد إلى السطح ويصلي كل ليلة، بينما كانت أمه، أم محمد، تجلس داخل البيت متوجهة إلى الله تعالى بالدعاء والتضرع. وفجأة بدأت أنوار ليلة القدر تتجلى لها، فنادت بصوت مسموع:
يا محمد، يا قرة عيني، تعال، فإن ما تطلبه هو هنا.
نزل الشيخ من السطح، وارتمى عند قدمي أمه المغمورتين بالنور الإلهي… ولعل لهذا السبب قيل إن الجنة تحت أقدام الأمهات!
وإذا كانت الجنة تحت أقدام أمهاتنا، فكم يكون من السعادة العظمى أن نطوف بكعبة قلوب أمهاتنا؟! وإن أنا أحلت سرّ هذا المعنى إلى عزيمتكم في التفكر، فسترضون عني إن شاء الله! وإن ختمت كلامي ببيت آخر ذهبي لحضرته، لكان نورًا على نور:
من يُفرح خاطر مَن كُسر قلبه
فذلك أعظم من أن يُعمَر بيت الله إن خُرّب.
(يمكنك العثور على النص الأصلي في نسخته الأوزبكية)
ما أصدق هذه الكلمات التي قالها ذلك المفكر العظيم!
ليلى أورزيفا
ملاحظة: يمكن الاستفادة من المقال مع الإشارة إلى الرابط الرسمي للموقع.
الأكثر قراءة


قام رئيس جمهورية صربيا ألكسندر فوتشيتش بزيارة مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان

مركز الحضارة الإسلامية – منصة عالمية تقود إلى المعرفة
زيارة إلى المركز
خطط لزيارتك إلى المركز وسجّل.
