

الأخبار
التراث الثمين العائد إلى أوزبكستان
خلال مختلف عصور تاريخ وطننا نشأت حضارات عالمية، وإمبراطوريات كبرى، ومدن يَغبطها الآخرون، ومعالم معمارية لا تقدر بثمن. ولا سيما أن جواهر التراث الثقافي الذي تركه أسلافنا تُحفظ اليوم ليس فقط في وطننا، بل في أماكن مختلفة من العالم، في مجموعات ومؤسسات وصناديق ومكتبات ومتاحف أجنبية. واليوم، وبمبادرة من الرئيس شوكت ميرضيائيف، تُنفذ عملية إعادة مثل هذه الكنوز الثقافية النادرة إلى الوطن. ويتحدث مدير مركز حضارة الإسلام في أوزبكستان في المقال التالي عن ذلك.
في السنوات الأخيرة، وبمبادرات من الرئيس شوكت ميرضيائيف، نُفذت أعمال واسعة النطاق لحفظ ودراسة ونشر التراث الثقافي الغني الذي وصلنا من أسلافنا. وفي مركز حضارة الإسلام في أوزبكستان، الذي يُبنى على أساس أفكار عظيمة لرئيس دولتنا، دخلت أعمال البناء مرحلتها النهائية.
اهتمام رئيس الدولة البالغ
حتى الآن، وبمبادرات رئيسنا، قامت الجمعية العالمية لدراسة ونشر التراث الثقافي الأوزبكي بدراسة أكثر من ٢٠٠ متحف ومكتبة ومجموعة في ما يقارب ٣٠ دولة من أجل دراسة هذا التراث الموزع في مناطق مختلفة من العالم. ونتيجة لهذه البحوث نُشر ألبوم-كتاب يتألف من ٨٠ مجلداً تحت عنوان التراث الثقافي لأوزبكستان.
ومع ذلك، كان السؤال المطروح دائماً: هل يمكن إعادة هذا التراث التاريخي إلى موطنه الأصلي – أوزبكستان؟ واليوم، بفضل مبادرات ودعم رئيسنا، تتحقق هذه الأحلام من خلال مثال مركز حضارة الإسلام في أوزبكستان.
في ٢٩ يناير من هذا العام، قام الرئيس شوكت ميرضيائيف بزيارة إلى مركز حضارة الإسلام وتطرق بشكل خاص إلى الأهداف والمهام الهامة لهذا المركز، بما في ذلك إثراء معروضاته بنماذج من تراثنا الثقافي الغني، وإعطاء تعليمات خاصة بإعادة هذه الآثار إلى وطننا من خلال المجموعات الكبيرة ودور المزادات في الخارج.
خلال هذه الفترة، تعرفنا على أكثر من ٥٠ مكتبة ومتحف ومجموعة خاصة في السعودية والكويت وماليزيا وتركيا وبريطانيا وإيطاليا وألمانيا وروسيا. وكانت زيارات الوفد العلمي المكون من عدد من العلماء والباحثين إلى بريطانيا مثمرة كذلك.
ومعلوم أن بريطانيا مشهورة بمكتباتها ومتاحفها الكبيرة، ومراكزها العلمية، ودور المزادات. ولا سيما أن داري المزاد "سوذبيز" و"كريستيز" تعدان من أكبر المؤسسات التجارية العاملة في هذا المجال. ومن خلال هذين المزادين وكذلك من جامعي التحف والمعارض الفنية الخاصة، تم شراء ما يقارب ٦٠٠ قطعة تاريخية لصالح مركز حضارة الإسلام في أوزبكستان.
أكبر مجموعة من أقمشة الصغد
ومن الجدير التوقف عند الآثار المتعلقة بأراضي الصغد القديمة ضمن هذه المقتنيات.
قبل ثلاث سنوات، في مؤتمر دولي عُقد في سمرقند، أثارت المعلومات التي قدمها ممثلو متحف الفنون الإسلامية في ماليزيا عن جبة صغدية تعود إلى أراضي أوزبكستان ضجة كبيرة. كما نظرنا بإعجاب إلى الأواني المعدنية العائدة لفترة الصغد والمحفوظة في متحف الإرميتاج الحكومي في روسيا، وأبدينا أسفنا لعدم وجود مثل هذه المعروضات النادرة لدينا.
ذلك أن أراضي بلدنا كانت مأهولة منذ آلاف السنين بشعوب وأمم مختلفة. ومن بين الأقوام التي لعبت دوراً مهماً في تشكل الشعب الأوزبكي – ترك الصغديون بصمتهم الجديرة في تاريخ الثقافة العالمية.
واليوم يكفي زيارة مركز حضارة الإسلام في أوزبكستان للتعرف على هذه الآثار التي هي نتاج عمل وفكر أسلافنا. واليوم تزين منتجات النسيج الصغدي التي تم شراؤها من مجموعات بريطانية معروضات المركز. وتشكل هذه القطع من حيث قيمتها وحجمها أكبر مجموعة لأقمشة الصغد في العالم.
وتضم هذه المجموعة ٢٥ معروضة نادرة، منها ٢١ قطعة قماش بأحجام مختلفة، وأربع جُبب كاملة. وقد نُسجت هذه الأقمشة في أراضي الصغد خلال القرون الخامس – الثامن، وتم شراؤها من عدد من تجار الفن وجامعي التحف في بريطانيا.
رمز قوة السلاجقة
أقام السلاجقة إمبراطورية على أراضٍ شاسعة امتدت من أواسط آسيا، وخاصة من أحواض سيرداريا السفلى حتى الأناضول، وحكموا أكثر من ثلاثة قرون، تاركين وراءهم إرثاً مادياً وثقافياً هائلاً. ويشغل التراث التاريخي المرتبط بهذه السلالة اليوم مكانة بارزة في المتاحف العالمية والمجموعات الخاصة ومراكز المخطوطات.
وفي شهر مايو من هذا العام أُعيدت إلى أوزبكستان أيضاً نماذج من الحُلي تعود إلى عصر السلاجقة كانت قد طُرحت للبيع في دار المزاد "كريستيز" في لندن. وتضم هذه المجموعة ٣٥ قطعة من الحُلي الأنيقة وتشهد على أن أسلافنا كانوا متقدمين في فن وصناعة تصميم المجوهرات قبل ثمانية قرون.
كما أُعيد إلى أوزبكستان الطغراء الملكية التي كانت رمزاً لدولة السلاجقة وقوتها. وكان يُثبت هذا الشعار على أعلى خيمة السلطان أثناء الحملات العسكرية. واللافت أن فيه صورة نسر ذي رأسين.
ومنذ القدم اعتُبر النسر رمزاً أساسياً للسلطة والقوة والدولة. وفي عهد السلاجقة كان يرمز إلى القوة السياسية للإمبراطورية وهيمنتها على الشرق والغرب. ومن الجدير بالذكر أن مثل هذه التحف لا توجد في أي من بلدان آسيا الوسطى الأخرى. كما أن الآثار المتعلقة بالسلالات التي نشأت في منطقتنا كالسامانيين والغزنويين والقراخانيين والخوارزميين يجري لأول مرة إحضارها إلى بلادنا.
جزء من مصحف صاحبقران
ومن دواعي فخرنا أن نؤكد أن الآثار المتعلقة بأمير تيمور والتيموريين تحظى بتقدير عالٍ في سوق التحف العالمية. فقد علمنا مؤخراً أن صفحة من كتاب "معراج نامه" العائد لعهد شاهرخ ميرزا بيعت في مزاد "كريستيز" بسعر يزيد عن ٢ مليون جنيه إسترليني.
ولهذا عقدنا العزم على إعادة الآثار المتعلقة بأمير تيمور والتيموريين إلى وطننا. ومن بينها يجدر التوقف عند جزء من مصحف عظيم نسخه الخطاط عمر أقطع في سمرقند نحو سنة ١٤٠٠ بأمر من أمير تيمور.
وحسب الروايات، نسخ عمر أقطع في البداية نسخة صغيرة من القرآن بحيث يمكن وضعها في فص الخاتم لأمير تيمور. لكن حين قال الحاكم العظيم إن هذه النسخة الصغيرة لا تليق بجلال كلام الله، بل يجب أن تظهر عظمته، أعد الخطاط في مدة وجيزة أكبر نسخة من القرآن الكريم في العالم.
وأخيراً نجحنا في إعادة سطرين من هذه النسخة التي كانت ملكاً شخصياً لصاحبقران. والحال أنه لم تكن توجد في بلدنا أية أشياء تاريخية تعود مباشرة إلى أمير تيمور.
كما حصل مركزنا على رداء ملكي من عهد أمير تيمور، وكتاب "كتاب الشفاء" لابن سينا الذي نُسخ في هرات في عهد حسين بايقرا، ومخطوطات ومنمنمات ووثائق ومنسوجات وسيوف وخناجر تعود إلى عهد الدولة البابورية الهندية، وأصبحت ملكاً لمركز حضارة الإسلام في أوزبكستان.
عودة تراث البابوريون إلى الوطن
حكم البابوريون في الهند قرابة ثلاثة قرون ونصف، ولهم مكانة مرموقة في تاريخ وثقافة العالم. ولسوء الحظ لم يكن هناك حتى الآن في موطنهم الأصلي أي مخطوط أو معروض يخصهم. أما اليوم فبناء على توجيهات رئيسنا المحترم تعود عشرات المعروضات المتعلقة بعصر البابوريون إلى الوطن.
حتى الآن جُلب إلى مركز حضارة الإسلام في أوزبكستان مخطوطا قرآن من تلك الحقبة، وكتاب "المثنوي المعنوي" لجلال الدين الرومي، وما يقارب ١٠ من المنمنمات التي تصوّر حكاماً وأمراء مغول، إضافة إلى نماذج من التطريز والنسيج. ومن بينها خِرقة يقول المؤرخون إنها تعود شخصياً لميرزا بابر.
ومعلوم أن مثل هذه الملابس المكتوب عليها أدعية من القرآن الكريم كانت تُفصّل خصيصاً للحكام. وتُعد الخطوط التي كُتبت بها عشرات الآيات والأدعية على قماش هذه الخرقة مثالاً رائعاً لفن الخط. ويمكن لزوار مركز حضارة الإسلام في أوزبكستان أن يروا أيضاً التوقيع الشخصي لبابر ميرزا ونسخة من القرآن الكريم مكتوبة بالأبجدية الخاصة التي ابتكرها.
كنزنا في أنظار العالم
في ٧-٨ يوليو، وبالتعاون بين مركز حضارة الإسلام في أوزبكستان وسفارة أوزبكستان في بريطانيا، نُظمت معارض لهذه القطع الأثرية في دور المزادات "سوذبيز" و"كريستيز" في لندن.
وقال ديفيد أرمسترونغ-جونز، رئيس مجلس الأمناء الفخري في دار "كريستيز" وممثل العائلة
الملكية وكونت سنودون:
إن إعادة جزء من الثروة الثمينة التي تخص بلدكم وشعبكم هي حدث ثقافي مهم يُنفذ بمبادرة شخصية من رئيس أوزبكستان، ويهدف إلى إلهام الجيل الشاب. إن مثل هذه القيم العملية الموجهة نحو استعادة التراث تشكل أساساً متيناً لنهضة ثقافية.
وقال بنديكت كارتر، ممثل دار "سوذبيز" لشؤون التراث الشرقي:
إن التعاون مع مركز حضارة الإسلام الذي يُبنى بمبادرة من رئيس أوزبكستان لشرف كبير لنا، ونحن سعداء بمساهمتنا في عودة المعالم التاريخية المهمة لوطنها في تاريخ آسيا الوسطى.
وخلال هذه الزيارة، تم التوصل إلى اتفاقات مع أبرز تجار الفن ودور المزادات في لندن. ونتيجة لذلك، جرى اختيار نحو ٦٠٠ معروضة جديدة من المزادات ومجموعات تجار الفن لتضاف إلى معروضات متحف المركز. وقد أقر هذا الاختيار من قبل أعضاء المجلس العلمي المرموق للمركز بناءً على تكليف من حكومة بلادنا.
كما تعلمون، في ١٩ فبراير سلّم وزير الحج والعمرة في المملكة العربية السعودية توفيق بن فوزان الربيعة لرئيسنا قطعة من كسوة الكعبة المشرفة. وبناءً على تعليمات رئيس الدولة، أُحضرت هذه الهدية النادرة إلى مركز حضارة الإسلام في أوزبكستان. وفي صيف هذا العام، وبمبادرة من رئيسنا، جُلب غطاء باب الكعبة من السعودية، ووُضع الآن في قاعة عصر النهضة الأولى في قسم انتشار الإسلام في آسيا الوسطى.
"أوزبكستان ذات تاريخ عظيم..."
في ٢٩ أغسطس من هذا العام، كانت زيارة رئيسنا لمتابعة أعمال البناء الجارية في عاصمتنا إحدى الأحداث الخالدة في تاريخ مركزنا. وأثناء اطلاعه على سير العمل هنا، قدّم رئيس دولتنا نصائح وتوصيات قيّمة بشأن المراحل النهائية لبناء المركز.
وقال رئيسنا:
أوزبكستان ذات تاريخ عظيم. لقد ترك التراث العلمي والثقافي الذي أنشأه أجدادنا بصمة لا تُمحى في تاريخ البشرية. وأنا على يقين أن كل زائر أجنبي يتعرف على هذا المركز سيغادر بإجلال لشعب أوزبك العظيم الذي يمتلك مثل هذا التاريخ والثقافة.
وبالفعل تؤكد انطباعات الزوار الأجانب للمركز هذه الكلمات. فبعد هذه الزيارة بفترة قصيرة، زارت المركز ثلاث وفود كبرى من دول أجنبية خلال العشرة أيام الأولى من سبتمبر. وقد أعرب الضيوف رفيعو المستوى من مختلف دول العالم عن إعجابهم بقدرة شعبنا على البناء وبمبادرات رئيس الدولة.
وفي الأسبوع الماضي، زار باولو زامبولي، الممثل الخاص لرئيس الولايات المتحدة للشراكة العالمية، مركزنا وأعطى تقييماً عالياً لما تم إنجازه هنا.
وقال السيد باولو زامبولي:
رأيت فخامة الرئيس قائداً عظيماً، رمزاً للنزاهة، رسول سلام، وزعيماً حقيقياً لفترة نهضة أوزبكستان.
ومؤخراً، زار كذلك ألكسندر بيغلوف، حاكم مدينة سانت بطرسبورغ الروسية، وزافر ساريكايا، نائب رئيس حزب "العدالة والتنمية" الرائد في تركيا، مركز حضارة الإسلام في أوزبكستان.
وخلال اطلاعه على نشاط المركز، قال ألكسندر بيغلوف إن "فقط قادة الدول العظام قادرون على القيام بمثل هذه الأعمال العظيمة من أجل دراسة وحفظ التراث الحي لوطنهم."
أما الضيف التركي فقد أكد أن مركز حضارة الإسلام في أوزبكستان يشكل مصدر فخر واعتزاز أيضاً للدول الناطقة بالتركية، وأعرب عن بالغ امتنانه للرئيس شوكت ميرضيائيف الذي يقف وراء مثل هذه المبادرات النبيلة.
إن مركز حضارة الإسلام في أوزبكستان هو في الحقيقة ثمرة مشرقة للإصلاحات الاقتصادية والثقافية الجارية في أوزبكستان الجديدة.
الالتزام بالأهداف السامية
إن تنظيم النشاط الكامل لمركز حضارة الإسلام في أوزبكستان وإثراء محتواه الداخلي أصبح اليوم مشروعاً عملاقاً ليس على المستوى الوطني فحسب بل وعلى المستوى الدولي.
وجدير بالذكر أنه في صيف عام ٢٠٢٤ تم تنظيم أول منتدى جمهوري بمشاركة أكثر من ٦٠٠ من علمائنا، وكذلك مؤتمر دولي حضره نحو ٥٠٠ عالم أجنبي. وفي ختام هذه الفعاليات وجّه العلماء رسالة شكر لرئيس دولتنا وتعهدوا بأن يكونوا على قلب رجل واحد في خدمة العلم والمعرفة ودراسة ونشر التراث الثقافي لأوزبكستان. ومن جانبه أكد رئيسنا في خطابه الموجه إلى المشاركين في المؤتمر أن أبواب مركز حضارة الإسلام في أوزبكستان ستظل مفتوحة دائماً أمام جميع العلماء المتعاونين معنا.
ولا شك أن الأمثلة المذكورة أعلاه ليست سوى جزء صغير مما يتم تنفيذه. فهناك الكثير مما يمكن قوله عن المعارض، والمكتبات، وقاعة المؤتمرات، والمختبر، والغرف المخصصة لممثلي المنظمات الدولية، والمنصة العلمية للعلماء المحليين والأجانب، ومنطقة الأطفال، ومدرسة الخط وغير ذلك.
واليوم نحن – فريق من ١٥٠٠ عالم وخبير – نعمل بالتعاون مع مجلس أمناء مركز حضارة الإسلام في أوزبكستان وأكاديمية العلوم والهيئات والمؤسسات ذات الصلة على أكثر من ٨٠٠ مشروع علمي مبتكر من أجل إثراء معارضنا، ونحن في غاية السعادة لمشاركتنا في تنفيذ هذا المشروع الكبير.
ونعبر عن امتناننا لرئيسنا على هذه العناية والرعاية الكبيرة والظروف المهيأة لدراسة التراث الثقافي الأوزبكي وإبراز مكانة شعبنا في الحضارة العالمية. ونحن على يقين بأن مركز حضارة الإسلام في أوزبكستان سيبقى رمزاً لفخرنا الوطني وإنجازاتنا الروحية للأجيال القادمة.
فردوس عبد الخالقوف
مدير مركز حضارة الإسلام في أوزبكستان
الأكثر قراءة


قام رئيس جمهورية صربيا ألكسندر فوتشيتش بزيارة مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان

مركز الحضارة الإسلامية – منصة عالمية تقود إلى المعرفة
زيارة إلى المركز
خطط لزيارتك إلى المركز وسجّل.


