نسخة التجربة من الموقع

مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان
banner

الأخبار

الفكر الإسلامي والازدهار المعماري: تجربة آسيا الوسطى

 

تشكلت النهضة الأولى في آسيا الوسطى تحت تأثير الحضارة الإسلامية، فحوّلت المنطقة ليس فقط إلى مركز للعلم والمعرفة، بل أيضا إلى فضاء فريد للحلول المعمارية المتميزة. وتمثل الآثار الممتدة من بخارى وسمرقند إلى رباط ملك في قلب الصحراء تجسيدا حجريا وآجريا لهذا الازدهار.

 

شهدت أوزبكستان في تاريخ تطور البشرية ما لا يقل عن نهضتين عظيمتين. أما النهضة الأولى فقد تبلورت بعد انتشار الإسلام في المنطقة، حيث تفاعلت مع القيم الوطنية والقدرات الفكرية الرفيعة للشعب، وأسفرت عن نهضة ثقافية ومعرفية شاملة ومتفردة في آسيا الوسطى.

 

في تلك الحقبة ازدهرت في الشرق العلوم والفلسفة والأدب والثقافة على نحو غير مسبوق، وانعكس هذا الازدهار الروحي بوضوح في العمارة. ففي ظل أجواء السلم والاستقرار ورعاية الحكام المحليين للعلم والثقافة، شُيدت في المدن المساجد والمدارس والمكتبات والخانات وأضرحة الزيارة. وقد أنشأ هذه المباني معماريون وحرفيون خرجوا من صميم المجتمع، فجاءت منشآت تجمع بين الوظيفة والجمال، ونالت شهرة واسعة في أرجاء العالم الإسلامي.

 

اتسمت عمارة عصر النهضة الأولى بالاستخدام الواسع للآجر النيئ والطين المضغوط، وزُينت المباني بملاط الجير وزخارف الجص والنقوش المتعرجة. كما زُخرفت محاريب بعض المساجد بالآجر المصقول والنقوش المحفورة وحتى بالتذهيب. وتُعرض في قسم النهضة الأولى بمركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان نماذج معمارية بارزة من تلك الحقبة، مع إبراز تاريخها وقيمتها الروحية.

 

مجمع رباط ملك

 

شُيد مجمع رباط ملك في أواخر القرن ١١ وبدايات القرن ١٢ بأمر من شمس الملك نصر بن إبراهيم، أحد حكام الدولة القراخانية، في الفترة ١٠٦٨–١٠٨٠. وتشير بعض المصادر التاريخية إلى أنه خضع لاحقا لأعمال ترميم وإضافات معمارية في عهد أرسلان خان محمد بن سليمان ١١٠٢–١١٣٠. ولم يكن رباط ملك في بدايته خاناً تجاريا، بل مجمعا كبيرا أدى وظائف سياسية وعسكرية واقتصادية في منطقة تشول ملك.

 

ومنذ القرن ١٣، ومع الغزو المغولي ونشاط طريق الحرير العظيم، تحول إلى خان للقوافل. وفي القرن ٢٠ تعرض الأثر لأضرار جسيمة، ولا سيما نتيجة زلزال عام ١٩٦٦ الذي أدى إلى تدمير جزء كبير منه. واليوم أُدرج مجمع رباط ملك ومنشأة السردابة المجاورة له ضمن القائمة التمهيدية لليونسكو تحت عنوان Silk Roads: Zarafshan - Karakum Corridor.

 

 

مسجد مغوك عطاري

 

يعد مسجد مغوك عطاري في مدينة بخارى من أقدم المعالم الدينية والمعمارية، ويرجع تاريخه إلى القرنين ٩–١٠. ويرى الباحثون أن المسجد شُيد في موقع معبد سابق يعود إلى ما قبل دخول الإسلام، وربما كان معبدا زرادشتيا مخصصا لعبادة ماه أي القمر. ويعني اسم مغوك بالفارسية الطاجيكية المكان المنخفض، أما عطاري فنسبة إلى سوق العطارة حيث كانت تباع الأعشاب الطبية والتوابل والعطور. وقد أعيد بناء المسجد عدة مرات عبر التاريخ بسبب الحرائق وارتفاع طبقات الأرض، وشهد في القرن ١٢ أعمال ترميم كبرى. وفي القرن ١٦ كاد حاكم بخارى عبد العزيز خان أن يهدمه، لولا تدخل شيخ محمودي أعظم، أحد أعلام الطريقة النقشبندية، الذي أوقف هذا القرار. ويعمل المسجد اليوم كمتحف، وهو مدرج ضمن موقع مركز بخارى التاريخي في قائمة التراث العالمي لليونسكو.

 

 

ضريح تششمة أيوب

 

يقع ضريح تششمة أيوب في بخارى، وهو من أقدم المزارات ذات الأهمية الروحية العميقة. ويُعتقد أنه شُيد في بدايات القرن ١٢ خلال العصر القراخاني، ثم أُعيد ترميمه وتوسيع منشآته فوق البئر والعين المائية في عهد أمير تيمور في القرن ١٤. ويتخذ الضريح شكلا مستطيلا، ويضم في داخله بئرا وعينا مائية اعتُبر ماؤها منذ القدم صافيا وشفائيا. أما القبة المخروطية فوق البئر فقد شيدها معلمو خوارزم في القرن ١٤. ووفقا للأساطير، فإن نبي الله أيوب ضرب الأرض بعصاه في هذا الموضع فانبثقت العين. ولا تزال حتى اليوم تقاليد الزيارة والتزود من ماء العين قائمة.

 

 

ضريح السامانيين

 

يعود ضريح إسماعيل الساماني إلى أواخر القرن ١٠، ويعد من أقدم وأكمل نماذج العمارة الإسلامية في آسيا الوسطى. وقد شيده إسماعيل الساماني، مؤسس الدولة السامانية، تخليدا لذكرى والده أحمد بن أسد، ثم دُفن فيه إسماعيل الساماني وأفراد من ذريته. ويجسد هذا الأثر تفاعلا متناغما بين تقاليد العمارة الصغدية القديمة والأساليب المعمارية الإسلامية، معبرا عن المستوى الرفيع للمدرسة المعمارية المحلية. ولا يقتصر ضريح السامانيين على قيمته التاريخية والمعمارية، بل يمثل رمزا لمكانة واحة بخارى كمركز للعلم والثقافة، وهو مدرج ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو.

 

مدرسة قسامية

 

تحتل مدرسة قسامية التي تعود إلى القرن ١١ مكانة مهمة في تاريخ المدرسة المعمارية السمرقندية. ويذكر أبو طاهرخوجة في كتابه سامرية أن المدرسة شُيدت في منطقة بني نوجية، المعروفة اليوم بشاه زنده، بأمر من السلطان السلجوقي سنجر ١١١٨–١١٥٧. وقد أظهرت التنقيبات الأثرية أنه بحلول القرن ١١ كان نموذج المدرسة ذات الفناء والإيوان قد اكتمل في سمرقند، واستمر هذا الطراز كهيكل معماري أساسي في القرون اللاحقة. وقد استخدم مهندس مدرسة قسامية بمهارة مبدأ التناسب المثالي المعروف بالنسبة الذهبية، لتصبح هذه المدرسة نموذجا معماريا عاما للمدارس في القرون ١٥–١٧. ولهذا تكتسب أهمية استثنائية في دراسة تاريخ العمارة السمرقندية.

 

وخلاصة القول، إن عصر النهضة الأولى يمثل مرحلة تاريخية تلاقت فيها الحضارة الإسلامية والقيم الوطنية والقدرات الفكرية الرفيعة على أرض أوزبكستان. وقد تركت المساجد والمدارس والخانات والمزارات التي شُيدت في تلك الفترة بصمة خالدة في تاريخ البلاد، ليس من حيث العمارة فحسب، بل من حيث المضمون الروحي والمعرفي أيضا. واليوم يُعرض هذا التراث الفريد عبر مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان للجمهور الواسع في أطر علمية وثقافية وتربوية، ليؤدي دور جسر روحي مهم يربط بين الماضي والحاضر، وبين الفكر التاريخي ومسارات التنمية المعاصرة.

carousel image 1
carousel image 2
carousel image 3
carousel image 4
carousel image 5
carousel image 6

الأكثر قراءة

عرض جميع الأخبار

زيارة إلى المركز

خطط لزيارتك إلى المركز وسجّل.